تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جاء ربُّك يا محمدُ والملائكةُ (١) صُفُوفًا؛ صفًّا بعدَ صفٍّ.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٌ، عن أبي المنهالِ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابنُ عباسٍ ﵄ أنه قال: إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّتِ الأرضُ مدَّ الأديمِ، وزِيد في سَعَتِها كذا وكذا، وجُمِع الخلائقُ بصعيدٍ واحدٍ، جِنُّهم وإنسُهم، فإذا كان ذلك اليومُ قِيضَت (٢) هذه السماءُ الدنيا عن أهلِها فنُثِروا (٣) على وجْهِ الأرضِ، ولأهلُ هذه السماءِ وحدَهم أكثرُ من أهل الأرضِ؛ جِنِّهم وإنسِهم بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماءُ الثانيةُ، فلأَهلُ السماءِ الثانيةِ وحدَهم أكثرُ مِن أهلِ السماءِ الدنيا ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ؛ جنِّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزَعون من قولِهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماواتُ سماءً سماءً، كلما قِيضَت سماءٌ عن أهلِها كانت أكثرَ من أهلِ السماواتِ التي تحتَها، ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ، فزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون لهم مثلَ ذلك، ويَرْجِعون إليهم مثلَ ذلك، حتى تُقاضَ السماءُ السابعةُ، فلأهلُ السماءِ السابعةِ أكثرُ مِن أهلِ ستِّ سماواتٍ، ومن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فيجِيءُ اللهُ فيهم والأممُ جُثًا صفُوفٌ، وينادِى منادٍ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ
[— بداية ص ٢٤/ ٣٨٥، page_id=16329 —]
الكرَمِ، ليقُمِ الحمَّادون لله على كلِّ حالٍ. قال: فيقومون فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادى الثانيةَ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ الكرمِ، أين الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]؟ فيقومون (١) فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادِى الثالثَة: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ (٢) الكرَمِ، أين الذين كانوا (١) ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. فيقومون فيَسْرحون إلى الجنةِ، فإذا أخَذ من هؤلاءِ الثلاثةِ (٣) خرَج عُنُقٌ مِن النارِ، فأشرَف على الخلائقِ، له عينان تُبْصِران، ولسانٌ فصيحٌ، فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بثلاثةٍ؛ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ. فيَلْقُطُهم مِن الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخيَّسُ (٤) بهم في جهنمَ، ثم يخرجُ ثانيةً فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بمَن آذى الله ورسولَه. فيَلْقُطُهم لقطَ الطيرِ حبَّ السَّمْسمِ، فيُخَيَّسُ (٥) بهم في جهنمَ، ثم يخرجٌ ثالثةً - قال عوفُ: قال أبو المنهال: حسِبْتُ أنه يقولُ: وُكِّلْتُ بأصحابِ التصاويرِ. فيُلْقُطهم من الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخَيَّسُ (٦) بهم في جهنمَ، فإذا أُخِذ من هؤلاء الثلاثةِ، ومِن