تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
"هم"، وجعل (هم) في موضعِ نصب. وكان عيسى بنُ عمرَ فيما ذُكِر عنه يجعَلُهما حرفين، ويقفُ على "كالُوا"، وعلى "وزَنوا"، ثم يبتدئُ: هم يُخسِرون (١). فمن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل "هم" في موضعِ رفعٍ، وجعَل "كالوا" و "وزَنوا" مكتفِيَين بأنفسِهما
والصوابُ في ذلك عندى الوقفُ على "هم"؛ لأن "كالُوا" و "وزَنوا" لو [كانا مكتفِيَين] (٢)، وكانت "هم" كلامًا مستأنَفًا، كانت كتابةُ "كالُوا" و "وزَنوا" بألفٍ فاصلةٍ بينَها وبينَ (هم) مع كلِّ واحدٍ منهما، إذ كان (٣) بذلك جرَى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلًا به شيءٌ من كناياتِ المفعولِ، فكتابُهم (٤) ذلك في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ أوضَحُ الدليلَ على أن قولَه (٥): "هُمْ". إنما هو كنايةُ أسماءِ المفعولِ بهم. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا، على ما بيَّنَّا (٦).
وقولُه: ﴿يُخْسِرُونَ﴾. يقولُ: ينقُصونهم.
وقولُه: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألا يظنُّ هؤلاء المطفِّفون الناسَ في مكاييلِهم وموازينِهم، أنهم مبعوثون من قبورِهم بعدَ مماتِهم، ليومٍ عظيمٍ شأنُه، هائلٍ أمرُه، فظيعٍ هَوْلُه؟!
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فـ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ تفسيرٌ عن اليوم
[— بداية ص ٢٤/ ١٨٨، page_id=16132 —]
الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعدْ عليه اللام، رُدَّ إلى ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، فكأنه قال: ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ. وقد يجوزُ نصبُه وهو بمعنى الخفضِ؛ لأنها إضافةٌ غير محضةِ، ولو خُفض ردًّا على اليومِ الأولِ لم يكنْ لحنًا، ولو رُفِع جاز، كما قال الشاعرُ (١):
وكنتُ كذى رِجْلين رِجْلٌ صحيحةٌ … ورجُلٌ رمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ
وذُكِر أنَّ الناسَ يقومون لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى يُلْجِمَهم العرقُ، فبعضٌ يقولُ: مقدارَ ثلاثِمائةِ عامٍ. وبعضٌ يقول: مقدارَ أربعيَن عامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يقومُ أحدُكم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه" (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يغيبُ أحدهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه" (٣).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حتى يقوم أحدُهم في رَشْحِه