تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال: بلَغنا أنها عينٌ تخرجُ من تحتِ العرشِ، وهى مِزاجُ هذه الخمرِ. يعنى: مِزاجُ الرحيقِ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرفِ الشرابِ (٣).
فتأويلُ الكلامِ: ومزامجُ الرحيقِ من عينٍ تُسَنَّمُ عليهم من فوقِهم فتنصَبُّ عليهم، يشربُ بها المقرَّبون من اللهِ صِرفًا، وتُمزجُ لأهلِ الجنةِ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿عَيْنًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إن شئتَ جعَلتَ نصبَه على: يُسْقَون عينًا، وإن شئتَ جَعَلته مدحًا فيُقطعُ من أولِ الكلامِ، فكأنك تقولُ: أعنى عينًا.
وقال بعضُ نحويي الكوفةِ (٤): نَصبُ العين على وجهين؛ أحدُهما: أن يَنْوِىَ: من تسنيم عَينٍ، فإذا نوِّنت نُصبت، كما قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤، ١٥]، وكما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)
[— بداية ص ٢٤/ ٢٢٥، page_id=16169 —]
أَحْيَاءً﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. والوجه الآخرُ: أن يَنْوِىَ: من ماءٍ سُنِّم عينًا، كقولك: رفع عينًا يشربُ بها. قال: وإن لم يكنْ التسنيمُ اسمًا للماءِ فالعينُ نكرةٌ والتسنيمُ، معرفةٌ، وإن كان اسمًا للماء فالعينُ معرفةٌ (١) فخرَجت نصبًا.
وقال آخر من البصريين: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ معرفةٌ، ثم قال: ﴿عَيْنًا﴾. فجاءت نكرةً، فنصَبتَها صفةً لها (٢). وقال آخرُ: نُصِبت بمعنى: من ماءٍ يَتَسَنَّمُ عينًا.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا: أن التسنيم اسمٌ معرفةٌ والعينُ نكرةٌ، فنُصبت لذلك إذ كانت صفةً له.
وإنما قلنا: ذلك هو الصوابُ؛ لما قد قدَّمنا من الروايةِ عن أهلِ التأويلِ أن التسنيمَ هو العينُ، فكان معلومًا بذلك أن العينَ إذ كانت منصوبةً وهى نكرةٌ - أن التسنيمَ معرفةٌ.
وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اكتسَبوا المآثمَ، فكفَروا باللهِ في الدنيا، كانوا فيها، من الذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللهِ وصدَّقوا به يضحَكون؛ استهزاءً منهم بهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾: في الدنيا، يقولون: والله إن هؤلاء