تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
تفسيرُ سورةِ "ويلٌ للمطففين"
﷽
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: الوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهلِ جهنمَ في أسفلها، للذين يُطَفِّفون. يعنى: للذين ينقُصون الناسَ، ويَبْخَسونهم حقوقَهم في مكاييلِهم إذا كالُوهم، أو موازينهم إذا وزَنوا لهم عن الواجبِ لهم من الوفاءِ. وأصلُ ذلك من الشيءِ الطفيفِ، وهو القليل النَّزْرُ، والمطفِّفُ: المقلِّلُ حقَّ صاحبِ الحقِّ عما له من الوفاءِ والتمامِ في كيلٍ أو وزنٍ، ومنه قيلَ للقومِ (١) يكونون سواءً في حسبةٍ أو عددٍ: هم سواءٌ كطَفِّ الصاع. يعنى بذلك: كقُرْبِ الممتلئَ منه ناقصٍ عن المِلءِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن ضِرارٍ، [عن عبيد المكتب] (٢)، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن، إن أهل المدينةِ لَيُوفُون الكيلَ. قال: وما يمنعُهُم من أن يُوفُوا الكيلَ وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. حتى بلَغ:
[— بداية ص ٢٤/ ١٨٦، page_id=16130 —]
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. فأحسنوا الكيل (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قتيبةَ، عن بسّامٍ (٣) الصيرفيِّ، عن عكرِمةَ، قال: أشهدُ أن كلَّ كيَّالٍ ووزَّانٍ في النارِ. فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس منهم أحدٌ يَرْنُ كما يتَّزِنُ، ولا يكيلُ كما يكتالُ، وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٤).
وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين إذا اكتالوا من الناسِ ما لهم قِبَلَهم من حقٍّ، يستوفون لأنفسِهم فيكتالونه منهم وافيًا. و "علي" و "من" في هذا الموضعِ يتعاقَبان، غيرَ أنه إذا قيل: اكتلتُ منك. يرادُ: استوفَيْتُ منك (٥).
وقولُه: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. يقولُ: وإذا هم كالوا للناسِ أو وزَنوا لهم. ومن لغةِ أهل الحجاز أن يقولوا: وزَنتُك حقَّك، وكِلتُك طعامَك. بمعنى: وزَنتُ لك، وكِلْتُ لك. ومن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل الوقفَ على