Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ هذا الفعلُ مِن ضرْبِ هؤلاء الكفرةِ فوقَ الأعناقِ، وضربِ كلِّ بنانٍ منهم (٣) - جزاءٌ لهم بشقاقِهم اللهَ ورسولَه، وعقابٌ لهم عليه.
ومعنى قولِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ومَن يخالفْ أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه، وفارقَ طاعتَهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له، وشدَّةُ عقابِه له فى الدنيا: إحلالُه به ما كان يُحِلُّ بأعدائِه من النِّقمِ، وفي الآخرةِ الخلودُ في نارِ جهنمَ، وحذفَ (له) من الكلامِ لدلالةِ الكلامِ عليها.
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبَّدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم (١).
وقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طشُّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشحر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال (٢).
وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن كما قال تعالى في حق أهل الجنَّة ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة الظاهر ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهِّرًا لما كان من غلٍّ أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفيَّة أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدَّس وتبارك وتمجَّد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا.
قال ابن إسحاق: وآزروهم (٣). وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سوادهم. وقيل: كان ذلك بأن المَلك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﷺ فيقول: سمعت هؤلاء القوم - يعني: المشركين - يقولون: واللهِ لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك فتقوى أنفسهم (٤) حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه.
وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبِّتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلَّة والصَغار على من خالف أمري وكذَّب رسولي ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلِقوها، واحتزوا الرقاب فقطِّعوها، وقطِّعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم.
وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة (٥).
وقيل: معناه: أي على الأعناق وهي: الرقاب، قاله الضحاك وعطية العوفي (٦). ويشهد لهذا
ص ٤/ ١٧٠
المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤].
وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال النبي ﷺ: "إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرِّقاب وشدِّ الوثاق" (١).
واختار ابن جرير أنها قد تدلُّ على ضرب الرِّقاب وفلق الهام.
قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمرُّ بين القتلى يوم بدر فيقول: "نفلِّق هامًا" فيقول أبو بكر:
فيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره، لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].
وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به (٣).
وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كلَّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر (٤):
ألا ليتني قطعت منِّي بنانةً … ولاقيتهُ في البيت يقظانَ حاذرا (٥)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني: بالبنان الأطراف (٦). وكذا قال الضحاك وابن جريج (٧).
وقال السدي البنان: الأطراف، ويقال كل مفصل.
وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل (٨).
وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كلّه عليك (٩).
وقال العوفي، عن ابن عباس: فذكر قصَّة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا ولكن خذوهم أخذًا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللّات
قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ قال الزجاج: «إذ» في موضع نصب، والمعنى: وليربط إذ يوحي.
ويجوز أن يكون المعنى: واذكروا إذ يوحي. قال ابن عباس: وهذا الوحي إلهام. قوله تعالى: إِلَى الْمَلائِكَةِ وهم الذين أمدَّ بهم المسلمين. أَنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصرة. فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا فيه أربعة أقوال: أحدها: قاتلوا معهم، قاله الحسن. والثاني: بشِّروهم بالنصر فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل. والثالث: ثبِّتوهم بأشياء تُلْقُونها في قلوبهم تَقوى بها، ذكره الزجاج. والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي. فأما الرعب، فهو الخوف. قال السائب بن يسار: كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السُّوائيَّ عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطَّست فيطِنُّ، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
قوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ في المخاطب بهذا قولان «١» : أحدهما: أنهم الملائكة. قال
ص ٢/ ١٩٤
ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس، فعلَّمهم الله تعالى ذلك. والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: فاضربوا الأعناق، و «فوق» صلة، وهذا قول عطية، والضحاك، والأخفش، وابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: «فوق» بمعنى «على» ، تقول: ضربته فوق الرأس، وضربته على الرأس. والثاني: اضربوا الرؤوس لانها فوق الأعناق، وبه قال عكرمة. وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال: أحدها: إنه الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك. وقال الفراء: علَّمَهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: البنان: أطراف الأصابع. قال ابن الأنباري: واكتفى بهذا من جملة اليد والرِّجل. والثاني: أنه كل مَفْصِل، قاله عطية، والسدي. والثالث: أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، والمعنى: أنه أباحهم قتلهم بكل نوع، هذا قول الزجاج. قال: واشتقاق البنان من قولهم: أبَنَّ بالمكان: إذا أقام به فالبنان به يُعتمل كلُّ ما يكون للاقامة والحياة. قوله تعالى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ
«ذلك» إشارة إلى الضرب، و «شاقوا» بمعنى: جانبوا، فصاروا في شقِّ المؤمنين. قوله تعالى: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ خطاب للمشركين والمعنى: ذوقوا هذا في عاجل الدنيا. وفي فتح «أنَّ» قولان: أحدهما: باضمار فعل، تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين. والثاني: أن يكون المعنى: ذلك بأن للكافرين عذاب النار.
فاذا ألقيت الباء، نصبت. وإن شئت، جعلت «أن» في موضع رفع يريد: ذلكم فذوقوه، وذلكم أن للكافرين عذاب النار، هذا معنى قول الفرّاء.
قوله تعالى: إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً، الزحف: جماعة يزحفون إلى عدوهم قاله الليث.
والتزاحف: التداني والتقارب، قال الأعشى:
لِمَنِ الظَّعَائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّف «١»
قال الزجاج: ومعنى الكلام: إذا واقفتموهم للقتال فلا تُدبروا وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يوم حربهم دُبُرَهُ إلا أن يتحرف ليقاتل، أو يتحيز إلى فئة ف «متحرِّفاً» و «متحيِّزاً» منصوبان على الحال. ويجوز أن يكون نصبهما على الاستثناء فيكون المعنى: إلا رجلاً متحرفاً أو متحيزاً. وأصل متحيز: مُتْحَيْوِز فأدغمت الياء في الواو.
قوله تعالى: وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ أي: مرجعه إليها ولا يدل ذلك على التخليد.
Footnotes are the editor's words, not the author's.