تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكْرُه: فأهلَك اللهُ الذين كذَّبوا شعيبًا فلم يُؤْمِنوا به فأبادَهم، فصارت قريتُهم منهم خاويةً خلاءً، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأنْ لم يَنْزِلوها (١) قطُّ، ولم يعيشوا بها حينَ هلَكوا.
يقالُ: غَنِى فلانٌ بمكانِ كذا، فهو يَغْنَى به غِنًى [وغُنْيانًا] (٢) وغُنِيًّا، إذا نزَل به وكان به، كما قال الشاعرُ (٣):
ولقد يَغْنَى به (٤) جيرانُك الـ … ـمُمْسِكو منك [بعهدٍ ووِصالِ] (٥)
وعهدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ (٨) بضَلْفَعا (٩)
إنما هو مَفْعَلٌ من "غَنِىَ".
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[— بداية ص ١٠/ ٣٢٦، page_id=7034 —]
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأَنْ لم يعيشوا، كأنْ لم ينعَموا (١).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأَنْ لم يعيشوا فيها (٢).
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يكونوا فيها قطُّ.
وقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ الذين اتَّبَعوا شعيبًا الخاسرين، بل الذين كذَّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين؛ لأنَّه أخبرَ عنهم جلّ ثناؤُه أنَّ الذين كذّبوا شعيبًا قالوا للذين أرادوا اتباعَه: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. فكذَّبهم اللهُ بما أحلَّ بهم مِن عاجلِ نكالِه، ثم قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما خسِر تُبّاعُ شعيبٍ، بل كان الذين كذَّبوا شعيبًا لما جاءت عقوبةُ اللهِ هم الخاسرين، دونَ الذين صدَّقوه وآمنوا به.
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعزّ: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: فأدبر شعيبٌ عنهم شاخِصًا مِن بين أَظْهُرِهم حينَ أتاهم