تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال شعيبٌ لقومِه إذ دَعَوْه إلى العودِ في (٢) مِلَّتِهم والدخولِ فيها، وتَوَعَّدوه بطرْدِه ومَن تَبِعه مِن قريتِهم إن لم يَفْعَلْ ذلك هو وهم -: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. يقولُ: قد اخْتَلَقْنا على اللَّهِ كَذِبًا وَتَخَرَّصْنا عليه مِن القولِ باطلًا، إن نحن عُدْنا في مِلَّتِكم فرَجَعْنا فيها بعدَ إِذ أَنقَذَنا اللهُ منها، بأن بصَّرَنا خطأَها وصوابَ الهُدَى الذي نحنُ عليه، وما يكون لنا أَنْ نَرْجِعَ فِيها فَنَدِينَ بها ونَتْرُكَ الحقَّ الذي نحنُ عليه، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾: يقولُ: إلا أن يكونَ سبَق لنا في علمِ اللهِ أنَّا نعودُ فيها، فيَمْضِىَ فينا حينئذٍ قضاءُ اللَّهِ، وتَنْفُذَ مشيئتُه علينا، ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: فإِنَّ عِلْمَ رَبَّنَا وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ فأحاطَ به، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ كان، ولا شيءٌ هو كائنٌ، فإن يكنْ سبَق لنا في علمِه أنّا نعودُ في مِلَّتِكم (٣)، فلا بُدَّ مِن أن يكونَ ما قد سبَق في علمِه، وإِلَّا فإِنَّا غيرُ عائدين في مِلَّتِكم.
[— بداية ص ١٠/ ٣١٩، page_id=7027 —]
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُدَّيِّ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ما ينبغى لنا أن نعودَ في شركِكم بعدَ إذ نجّانا اللهُ منها، إلَّا أن يشاءَ اللَّهُ ربُّنا، فاللَّهُ لا يشاءُ الشركَ، ولكن يقولُ: إلَّا أن يكونَ اللهُ قد علِم شيئا، فإنَّه وسع كلَّ شيءٍ عِلْمًا (١).
وقولُه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ: على اللهِ نعتمِدُ في أمرِنا (٢)، وإليه نَسْتَنِدُ فيما تَعِدوننا به مِن شرِّكم (٣) أيها القومُ، فإنَّه الكافي مَن تَوَكَّل عليه.
ثم إنه فزِع صلى اللهُ عليه إلى ربِّه ﷿ بالدعاءِ على قومِه، إذ أَيِس مِن فَلاحِهم، وانقطع رجاؤُه مِن إِذْعانِهم للهِ بالطاعةِ والإقرارِ له بالرِّسالة، وخافَ على نفسِه وعلى مَن تَبِعَهُ مِن مُؤْمِنى قَوْمِهِ مِن فَسَقَتِهم العطبَ والهلكةَ - بتعجيلِ النقمةِ، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: احْكُم بينَنا وبينَهم بحُكْمِكَ الحقِّ الذي لا جورَ فيه ولا حَيْفَ ولا ظلمَ، ولكنَّه عدلٌ وحقٌّ، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. يعني: خيُر الحاكمين.