تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾. يقولُ: أي: ضلالةٌ عن الحقِّ والصوابِ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمينَ أرسَلَنى، فأنا أُبَلِّغُكم رسالاتِ ربي، وأُؤدِّيها إليكم كما أمَرَنى أن أُؤدِّيَها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾.
يعنى بقوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾: أؤدِّى ذلك إليكم أيُّها القومُ، ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾. يقولُ: وأنا لكم في أمرى [ناصحٌ، في أمرى] (١) إياكم بعبادةِ اللهِ دونَ ما سِواه من الأنْدادِ والآلهةِ، ودُعائِكم إلى تَصْديقى فيما جئتُكم به من عندِ اللهِ، ناصِحٌ فاقْبَلُوا نَصِيحتي (٢)، أمينٌ على وَحْيِ اللهِ، وعلى ما ائْتَمَننى اللهُ عليه مِن الرسالةِ، لا أكذبُ فيه ولا أزيدُ ولا أبدِّلُ، بل أبلِّغُ ما أُمِرْتُ به كما أُمرت.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾. يقولُ: أَوَعَجِبتم أن أنزلَ اللهُ وَحْيَه بتَذْكيرِكم وعِظَتِكم على ما أنتم عليه مُقِيمون من الضلالةِ، ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ بِأسَ اللَّهِ، ويُخَوِّفَكم عقابَه. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: فاتَّقُوا اللَّهَ في أنفسِكم، واذْكُروا ما أحلَّ بقومٍ نوح مِن العذابِ إذ عَصَوْا رسولَهم، وكَفَروا بربِّهم، فإنكم إنما جَعَلكم ربُّكم خلفاءَ في الأرضِ منهم، لمَّا أهْلَكَهم أبْدَلكم منهم فيها، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن يَحِلَّ بكم نظيرُ ما حَلَّ بهم مِن العقوبة فيُهْلِكَكم، ويُبدِلَ منكم غيرَكم، سنَّتَه في قومِ نوحٍ قبلَكم على
[— بداية ص ١٠/ ٢٦٦، page_id=6974 —]
معصيتِكم إياه، وكفرِكم به، ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: زادَكم (١) في أجسامِكم طولًا وعِظَمًا على أجسامِ قومِ نوحٍ، وفي [قُواكم على قُواهم] (٢)؛ نعمةً منه بذلك عليكم، [فاذْكُرُوا نِعَمَه] (٣) وفضلَه الذي فَضَّلَكم به عليهم في أجسامِكم وقُواكم (٤)، واشكُروا الله على ذلك بإخلاصِ العبادةِ له، وتركِ الإشراكِ به، وهَجْرِ الأوثانِ والأنْدادِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كي تُفْلِحوا فتُدْرِكوا الخلودَ والبقاءَ في النعيمِ في الآخرةِ، وتُنْجِحُوا في طَلِباتِكم عندَه.
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: ذَهَبَ بقومِ نوحٍ، واسْتَخْلَفَكم مِن بعدِهم (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. أي: ساكنى الأرضِ بعد قومِ نوحٍ (٦).
وبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في تأويلِ قولِه: ﴿بَسْطَةً﴾.