تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فكَذَّب نوحًا قومُه، إذ أخبرَهم أنه للهِ رسولٌ إليهم، يأْمُرُهم بخَلْعِ الأنْدادِ، والإقرارِ بوحدانيةِ اللهِ، والعملِ بطاعتِه، وخالَفوا أمرَ ربِّهم، ولَجُّوا في طُغيانِهم يَعْمَهُون، فأنْجاه اللهُ في الفلكِ والذين معه مِن المؤمنينَ به، وكانوا بنوحٍ ﵇ أنفُسًا (١) عشرةً، فيما حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ: نوحٌ وبنوه الثلاثةُ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، وأزواجُهم، وستةُ أناسيَّ ممن كان آمَن به (٢).
وكان حَمَلَ معه في الفُلكِ مِن كلِّ زوجين اثنين، كما قال ﵎: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. والفُلك هو السفينة.
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وأغرقَ اللَّهُ الذين كَذَّبوا بحُجَجِه، ولم يَتَّبعوا رسولَه (٣)، ولم يَقْبَلوا نصيحتَه إياهم في اللَّهِ بالطوفانِ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾. يقولُ: عَمِينَ عن الحقِّ.
[— بداية ص ١٠/ ٢٦٤، page_id=6972 —]
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَمِينَ﴾ قال: عن الحقِّ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾. قال: العَمَى، العامِي عن الحقِّ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أرسَلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. ولذلك نَصَبَ ﴿هُودًا﴾؛ لأنه معطوفٌ به على نوحٍ، ﵉. قال هودٌ: يا قومِ، اعبُدُوا الله فأفْرِدُوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلوا معه إلهًا غيرَه؛ فإنه ليس لكم إلهٌ غيرُه، أَفَلَا تَتَّقُونَ ربَّكم فتَحْذَرُونه، وتَخافون عقابَه بعبادتِكم غيرَه، وهو خالقُكم ورازقُكم دونَ كلِّ ما سِواه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عما أجابَ هودًا به قومُه الذين كَفَروا باللَّهِ: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، وأنكَروا رسالةَ [اللهِ هودًا] (٢) إليهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا هودُ ﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾، يَعْنون: في ضلالةٍ عن الحقِّ والصوابِ بتَرْكِك دينَنا وعبادةَ آلهتِنا، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ فِي قِيلِك: إني