تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: أُقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة ﴿بِكِتَابٍ﴾، يعني القرآن الذي أنزله إليه، يقول: لقد أنزلنا إليهم هذا القرآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فيه الحق من الباطل، [﴿عَلَى عِلْمٍ﴾. يقولُ: على علم منا بحقِّ ما فُصِّل فيه من الباطل] (١) الذي ميَّز فيه بينه وبين الحق، و ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: بيَّناه لنَهْدِى به ونَرْحَمَ به قومًا يُصَدِّقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره، ووعده ووعيده، فيُنْقِذَهم. الضلالة إلى الهدى.
وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ٢]. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.
و "الهدى" في هذا هذا الموضعِ نُصِبَ على القطع من الهاء التي في قوله: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾. ولو نُصِب على فعلِ ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ فيكون المعنى: فصَّلْنا الكتاب كذلك. كان صحيحًا.
ولو كان قُرِئ (هُدى ورحمة) كان في الإعراب فصيحًا، وكان خفضُ ذلك بالردِّ على "الكتاب".
القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾:
يقول تعالى ذكره: هل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين يُكَذِّبون بآياتِ اللَّهِ، ويَجْحَدون لقاءه ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. يقولُ: إلا ما يَقُولُ إليه أمرهم، مِن وُرودِهم على
[— بداية ص ١٠/ ٢٤١، page_id=6949 —]
عذاب الله، وصليِّهم نار (١) جحيمه، وأشباه ذلك (٢) مما أَوْعَدهم الله به.
وقد بيَّنا معنى التأويل فيما مضى بشواهده، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. أي: ثوابه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. أي: ثوابه (٤).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال: تأويله عاقبته (٥).
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال: جزاءه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال: جزاؤه (٦).
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.