تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
يقول تعالى ذكره تَهَدُّدًا (١) للمشركين الذين أخبر جل ثناؤُه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشةً قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه، وعلى إصرارهم على الشرك به، والمُقام على كفرهم، ومُذَكِّرًا لهم ما أحلَّ (٢) بأمثالهم من الأم الذين كانوا قبلهم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾. يقول: ولكلِّ جماعةٍ اجتمعت على تكذيب رسل الله وردِّ نصائحهم (٣) والشرك بالله مع متابعة ربِّهم حُجَجَه عليهم ﴿أَجَلٌ﴾ يعنى: وقتٌ لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثُلات بهم على شركهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. يقولُ: فإذا جاء الوقتُ الذي وقَّته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يُمَتَّعون بالحياة فىها عن وقتِ هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم (٤) ساعةً من ساعاتِ الزمانِ، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. يقول: ولا يتقدَّمون بذلك أيضًا عن الوقتِ الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاكِ.
القولُ في تأويل قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾.
يقول تعالى ذكره معرِّفًا خلقه ما أعدَّ لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسله، وما أعدَّ لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. يقول: إن يَجِئكم رسلى الذين أُرسلُهم إليكم بدعائكم إلى طاعتي، والانتهاء إلى أمرى ونهيى، ﴿مِنْكُمْ﴾. يعنى: من أنفسكم، ومن عشائركم وقبائلكم، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. يقول: يَتلون عليكم آيات كتابى،
[— بداية ص ١٠/ ١٦٦، page_id=6874 —]
ويعرِّفونكم أدلتى وأعلامى على صدق ما جاءوكم به من عندى، وحقيقة ما دَعَوْكم إليه من توحيدى، ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾. يقول: فمن آمن منكم بما أتاه به رسلى مما قصَّ عليه من آياتي وصدق، واتقى الله فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه على لسان رسوله، ﴿وَأَصْلَحَ﴾. يقولُ: وأصلح أعماله التي كان لها مفسدًا قبل ذلك من معاصى الله بالتحوُّب (١) منها، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. يقول: فلا خوفٌ عليهم يوم القيامةِ مِن عقابِ اللَّهِ إِذا ورَدُوا عليه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من دُنياهم التي تركوها، وشَهَواتِهم التي تجنبوها؛ اتباعًا منهم لنهى الله عنها، إذا عاينُوا مِن كرامة (٢) الله ما عاينوا هنالك.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ أبو عبد الله، قال: ثنا هَيَّاجٌ،
قال: ثنا عبد الرحمن بنُ زيادٍ، عن أبي سيَّارٍ السُّلَميِّ، قال: إن الله ﵎ جعَل آدمَ وذريته في كفِّه، فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ثم نظر إلى الرسل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢]. ثم بثَّهم (٣).
فإن قال قائلٌ: فأين (٤) جوابُ قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؟
قيل: قد اختلف أهلُ العربية في ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك: الجوابُ مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عليه ما ظهر من الكلام، وذلك قولُه: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾. وذلك لأنه حين قال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾. كأنه قال: فأَطِيعوهم.