Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله مِن خلقه، فخافوا عقابَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه؛ ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. يقولُ: إذا ألمَّ بهم طَيْفٌ من الشيطانِ من غضبٍ أو غيره، مما يصدُّ (٧) عن واجب حقِّ الله عليهم (٨)، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصَرُوا الحقَّ فعمِلُوا
[— بداية ص ١٠/ ٦٤٧، page_id=7355 —]
به، وانتهوْا إلى طاعة الله فيما فرَض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطانِ.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: (طَيْفٌ)؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة ﴿طَائِفٌ﴾ على مثالِ "فاعلٍ"، وقرأه بعض المكيِّين والبصريِّينَ والكوفيين (طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) (١).
واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين الطائفِ والطَّيْف.
فقال بعضُ البصريين: الطائف والطيف سواءٌ، وهو ما كان كالخيال (٢) والشيءُ يُلِمُّ بكَ. قال: ويجوز أنْ يكونَ الطيفُ مخفَّفًا عن طيِّفٍ مثل مَيتٍ ومَيِّتٍ.
وقال بعضُ الكوفيين: الطائفُ، ما طافَ بك من وَسْوسةِ الشيطانِ. وأمَّا الطيفُ: فإنما هو من اللمم (٣) والمَسِّ.
وقال آخرُ منهم: الطيفُ: اللَّممُ. والطائف: كلُّ شيءٍ طاف بالإنسان.
وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: الطيفُ: الوسْوسةُ.
قال أبو جعفر: وأوْلَى القراءتين في ذلك عندِى بالصواب (٤) قراءة من قرَأه (٥): ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأنّ أهلَ التأويل تأوّلوا ذلك بمعنى الغضب أو (٦) الزَّلة تكون من المَطِيف به. وإذا كان ذلك معناه، كان معلومًا - إذ كان الطيفُ إنما هو مصدرٌ من قول القائل: طاف يَطِيفُ - أنّ ذلك خبرٌ من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطانِ، وإنّما يَمسُّهم ما طاف بهم من أسبابِه، وذلك كالغضبِ والوسوسةِ، وإنما
يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر أنهم ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ أي: أصابهم طيف. وقرأ الآخرون طائف (١)، وقد جاء فيه حديث وهما قراءتان مشهورتان، فقيل بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسّر ذلك بالغضب، ومنهم من فسّره بمسّ الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسّره بالهمّ بالذنب، ومنهم من فسّره بإصابة الذنب.
وقوله: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف (٢) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" فقالت: بل أصبر ولا حساب عليّ (٣)، ورواه غير واحد من أهل السنن وعندهم قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة" فقالت: بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف (٤). وأخرجه الحاكم من مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شابًا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ فخرّ مغشيًا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزّى فيه أباه، وكان قد دفن ليلًا فذهب فصلّى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن] فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي ﷿ في الجنّة مرتين (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ أي: وأخوان الشياطين من الإنس كقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدّونهم في الغيّ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسّنها لهم.
[— بداية ص ٤/ ١٤٥، page_id=2004 —]
وقال ابن كثير: المدّ الزيادة (١). يعني: يزيدونهم في الغيّ يعني الجهل والسّفه ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قيل: معناه: إن الشياطين تمدّ الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الآية، قال: لا الإنس يقصّرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك عنهم (٢).
وقيل: معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس قي قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون (٣)، وكذا قال السدي وغيره يعني: أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر (٤)، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا (٥).
قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ. قال ابن زيد:
(٦٠١) لما نزلت «خذ العفو» قال النبيّ ﷺ: «يا رب كيف بالغضب» ؟ فنزلت هذه الآية.
فأمّا قوله تعالى: وَإِمَّا فقد سبق بيانه في (البقرة) في قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً «١» ، وقال أبو عبيدة: ومجاز الكلام: وإما تستخفَّنَّك منه خفة وغضب وَعَجَلة. وقال السدي: النزغ: الوسوسة وحديث النفس. قال الزجاج: النزغ: أدنى حركة تكون، تقول: قد نزغته: إذا حركته. وقد سبق معنى الاستعاذة.
قوله تعالى: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «طيف» بغير ألف. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة: «طائف» بألف ممدوداً مهموزاً. وقرأ ابن عباس وابن جبير والجحدري والضحاك: «طَيِّفٌ» بتشديد الياء من غير ألف. وهل الطائف والطيف بمعنى واحد، أم يختلفان؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وهما ما كان كالخيال والشيء يُلم بك، حكي عن الفراء. وقال الأخفش: الطيف أكثر في كلام العرب من الطّائف، قال الشاعر:
ألا يا لقوم لِطَيْفِ الخَيال ... أرَّقَ مِنْ نَازِحٍ ذي دَلَالِ «٢»
والثاني: أن الطائف: ما يطوف حول الشيء، والطيف: اللَّمة والوسوسة والخَطْرة، حكي عن أبي عمرو، وروي عن ابن عباس أنه قال: الطائف: اللَّمة من الشيطان، والطيف: الغضب. وقال ابن الأنباري: الطائف: الفاعل من الطيف والطيف عند أهل اللغة: اللَّمم من الشيطان وزعم مجاهد أنه الغضب.
قوله تعالى: تَذَكَّرُوا فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: تذكَّروا الله إذا همُّوا بالمعاصي فتركوها، قاله مجاهد. والثاني: تفكَّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة، قاله الزجاج. والثالث: تذكَّروا غضب الله
[— بداية ص ٢/ ١٨٢، page_id=776 —]
والمعنى: إذا جرّأهم الشيطان على ما لا يحل، تذكَّروا غضب الله فأمسكوا، فاذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتّفكر.
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)
قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ في هذه الهاء والميم قولان:
أحدهما: أنها عائدة على المشركين فتكون هذه الآية مقدَّمة على التي قبلها، والتقدير: وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ قرأ نافع: «يمدونهم» بضم الياء وكسر الميم. والباقون: بفتح الياء وضم الميم. قال أبو علي: عامة ما جاء في التنزيل فيما يُحمَد ويُستَحب: أمددت، على أفعلت، كقوله تعالى: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ «١» أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ «٢» وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ «٣» ، وما كان على خلافه يجيء على: مددت كقوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ «٤» فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء، إلّا أنّ وجه قراءة نافع منزلة فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٥» . قال المفسرون: «يمدونهم في الغي» أي: يزيِّنونه لهم، ويريدون منهم لزومه فيكون معنى الكلام: أن الذين اتَّقَوا إذا جرَّهم الشيطان إلى خطيئة، تابوا منها، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، وقد جرى ذكرهم لقوله تعالى: مِنَ الشَّيْطانِ فالمعنى: وإخوان الشياطين يَمدُّونهم.
والثاني: أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين فالمعنى: وإخوان المتقين من المشركين، وقيل: من الشياطين يمدونهم في الغي، أي: يريدون من المسلمين أن يدخلوا معهم في الكفر، ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الأنباري. فان قيل: كيف قال: «وإخوانهم» وليسوا على دينهم؟ فالجواب: أنا إن قلنا: إنهم المشركون، فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب، أو في كونهم من بني آدم، أو لكونهم يظهرون النصح كالإخوان فإن قلنا: إنهم الشياطين، فجائز أن يكونوا لكونهم مصاحبين لهم، والقول الأول أصح.
قوله تعالى: ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ وقرأ الزهري وابن أبي عبلة: «لا يقصِّرون» بالتشديد. قال الزجاج: يقال: أقصر يُقْصِر، وقصّر يقصِّر. قال ابن عباس: لا الإنس يقصِّرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين تُقصِر عنهم فعلى هذا يكون قوله تعالى: يُقْصِرُونَ من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور ويخرّج على القول الثاني أن يكون هذا وصفا للإخوان فقط.