تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قِيلِ فرعونَ للسحرةِ إذ آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسولَه موسى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وذلك أن يَقطعَ مِن أحدِهم يدَه اليمنى ورجلَه اليسرى، أو يَقطعَ يدَه اليسرى ورجلَه اليمني، فيخالفَ بينَ العُضوين في القطعِ، فمخالفتُه في ذلك بينهما هو القطعُ من خلافٍ. ويقالُ: إِن أَوَّلَ مَن سَنَّ هذا القطعَ فرعونُ. ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وإنما قال هذا فرعونُ لِمَا رأى مِن خِذلانِ اللَّهِ إياه وغلبةِ موسى وقهرِه له.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ وحَبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ (¬٣) لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن صَلَّب، وأوّلُ مَن قطَع الأيدىَ والأرجلَ مِن خلافٍ، فرعونُ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.
[— بداية ص ١٠/ ٣٦٤، page_id=7072 —]
يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال السحرةُ مجيبةً لفرعونَ إذ توعَّدهم بقطعِ الأيدى والأرجلِ من خلافٍ والصلبِ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يعنى بالانقلابِ إِلى اللَّهِ الرجوعَ إليه والمصيرَ.
وقولُه: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: ما تُنكِرُ منا يا فرعونُ وما (١) تَجِدُ علينا إلا مِن أجلِ ﴿أَنْ آمَنَّا﴾ أي: صدَّقْنا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يقولُ: بحُجَجِ ربِّنا وأعلامِه وأدلَّتِه التي لا تقدِرُ على مثلِها أنت ولا أحدٌ، سوى اللهِ الذي له ملكُ السماواتِ والأرضِ. ثم فزِعُوا إلى اللهِ بمسألتِه الصبرَ على عذابِ فرعونَ، وقبضَ أرواحِهم على الإسلامِ، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ يعنون بقولِهم: ﴿أَفْرِغْ﴾: أنزِلْ علينا حبسًا يَحْبِسُنا عن الكُفِر بكَ عند تعذيبِ فرعونَ إيانا. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: واقبِضْنا إليك على الإسلامِ دينِ خليلِك إبراهيمَ، لا على الشركِ بك.
[كما حدَّثني] (٢) موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: فقتَّلهم وقطَّعَهم (٣)، كما قال عبدُ الله بنُ عباسٍ، حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وفي آخرِ النهارِ شهداءَ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن عُبيد بن عميرٍ، قال: كانت السحرةُ أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخِرَ النهارِ شهداءَ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ