تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسَّحَرةِ ألْقُوا ما أنتم مُلقُون، فألقت السحرةُ ما معهم، فلما الْقَوْا ذلك ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. يقولُ (٢): خيَّلوا إلى أعينِ الناسِ بما أحدثوا مِن التخييلِ والخُدَعِ أنها تسعىَ، ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. يقولُ: واسترهَبوا الناسَ بما سحَروا في أعيُنِهم، حتى خافوا مِن العِصِيِّ والحبالِ، ظنًّا منهم أنها حياتٌ، وجاءوا كما قال اللهُ: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾: بتخييلٍ عظيمٍ كبيرٍ (٣) مِن التخييلِ والخداعِ.
وذلك كالذى حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٣، ٤٤]. وكانوا بضعةً وثلاثين ألفَ رجلٍ، ليس منهم رجلٌ
[— بداية ص ١٠/ ٣٥٧، page_id=7065 —]
إلا معه حبلٌ وعصًا، ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. يقولُ: فرَّقوهم (١)، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (٢).
حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: أَلْقَوا حبالًا غِلاظًا وخُشُبًا طُوالًا. قال: فأقبلت تُخَيَّلُ إليه مِن سِحرِهم أنها تسعى (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: صَفَّ خمسةَ عشرَ ألفَ ساحرٍ، مع كلِّ ساحرٍ حبالُه وعِصِيُّه، وخرَج موسى معه أخوه يتَّكئُ على عصاه حتى أتى الجمْعَ، وفرعونُ في مجلسِه مع أشرافِ أهلِ مملكتِه، ثم قال السحرةُ: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] (¬٤)﴾ [طه: ٦٥، ٦٦]. . فكان أولَ ما اختطفوا بسحرِهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ، ثم أبصارُ الناس بعدُ، ثم ألقى كلُّ رجلٍ منهم ما في يدِه منِ العِصِيِّ والحبالِ، فإذا هي حياتٌ كأمثالِ الجبالِ، قد مَلاتِ الوادىَ يركَبُ بعضُها بعضًا، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، وقال: واللَّهِ إِن كانت لعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حياتٍ، وما تعدو عصائىَ (٥) هذه؟ أو كما حدَّثَ (٦) نفسَه (٧).