تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يَسْجُدُ له ما في السماواتِ السبعِ وما في الأرضِ مِن خلقِه ويُعَظِّمُه.
وقولُه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: له ملكُ السماواتِ والأرضِ وسلطانُهما (١)، ماضٍ قضاؤُه في ذلك كلِّه، نافذٌ فيه أمرُه.
وقولُه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾. يقولُ: وله حمدُ كلِّ ما فيها مِن خلقٍ؛ لأن جميعَ مَن في ذلك من الخلقِ لا يَعْرِفون الخيرَ إلا منه، وليس لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعِهم، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على كلِّ شيءٍ ذو قدرةٍ. يقولُ: يَخْلُقُ ما يشاءُ ويُمِيتُ مَن يشاءُ، ويُغْنِي مَن أراد ويُفْقِرُ مَن يشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرةِ التامةِ التي لا يُعْجِزُه معها شيءٌ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، وهو مِن ذكرِ اسمِ اللَّهِ، ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: [فمنكم كافرٌ بخالقِه وأنه خلَقَه، ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ] (٢): ومنكم مُصَدِّقٌ به مُوقِنٌ أنه خالقُه وبارئُه، ﴿وَاللَّهُ بِمَا
ص ٢٣/ ٦
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذي خلَقَكم بصيرٌ بأعمالِكم، عالمٌ بها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها، فاتَّقوه أن تُخالِفوه في أمرِه أو نهيِه، فيَسْطُوَ بكم.
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا حسنُ بنُ موسى الأشْيَبُ (١)، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: ثنا بكرُ بنُ سَوَادةَ، عن أبي تَميمٍ الجَيْشانيِّ (٢)، عن أبي ذَرٍّ، قال: إن المَنِيَّ إذا مكَث في الرحمِ أربعين ليلةً، أتَى مَلَكُ النفوسِ، فعرَج به إلى الجبارِ في راحتِه، فقال: أيْ ربِّ، عبدُك هذا ذكرٌ أم أنثى؟ فيَقْضِي اللَّهُ إليه ما هو قاضٍ، ثم يقولُ: أيْ ربِّ، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيَكْتُبُ ما هو لاقٍ. قال: وقرأ أبو ذرٍّ فاتحةَ "التَّغابُنِ" خمسَ آياتٍ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: خلَق السماواتِ السبعَ (*) والأرضَ بالعدلِ والإنصافِ، ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾. يقولُ: ومثَّلكم فأحْسَن مَثلَكم. وقيل: إنه عُنِي بذلك تصويرُه آدمَ، وخلقُه إياه بيدِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

