تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَمها عليكم؛ من ثوابهِ أهلَ طاعتِه، وعقابِه أهلَ معصيتِه - تُكَذِّبان؟
وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن استطَعتُم أن تَجُوزوا أطرافَ السماواتِ والأرضِ، فتُعْجِزوا ربَّكم حتى لا يَقْدِرَ عليكم، فجُوزوا ذلك، فإنكم لا تَجُوزُونه إلا بسلطانٍ من ربِّكم. قالوا: وإنما هذا قولٌ يُقالُ لهم يومَ القيامةِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: سنَفْرُغُ لكم أيُّها الثقلانِ، فيُقالُ لهم: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أمَر اللَّهُ
[— بداية ص ٢٢/ ٢١٨، page_id=14883 —]
السماءَ الدنيا فتشقَّقتْ (١) بأهلِها، ونزَل مَن فيها من الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم يَنْزِلُ الملِكُ الأعلَى، على (٢) مُجَنِّبتِه اليسرَى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا (٣)، فلا يَأْتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣]. وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. وذلك قولُه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٤) [الحاقة: ١٦، ١٧].
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن تَنْفُذوا من أقطارِ السماواتِ والأرضِ، فانفُذوا هاربين من الموتِ، فإن الموتَ مُدْرِكُكم، ولا يَنْفَعُكم هربُكم منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: يعني بذلك أنه لا يُجيرُهم (٥)