تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أَلم يعلمْ (١) هؤلاءِ القائلون (٢): ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]. الزَّاعمون (٣) أنهم أبناءُ اللَّهِ وأحباؤُه - أن اللَّهَ مُدَبِّرُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، ومُصَرِّفُه وخالقُه، لا يَمْتَنِعُ شيءٌ مما في واحدةٍ منهما مما أَرادَه؛ لأن كلَّ ذلك مُلكُه، وإليه أمرُه، ولا نَسَبَ بينَه وبينَ شيءٍ مما فيهما، ولا مما في واحدةٍ منهما، فيُحَابِيَه بسببِ قرابتِه منه، فَيُنجِيَه مِن عذابِه وهو به كافرٌ، ولأمرِه ونهيِه مخالفٌ، أو يُدخِلَه النارَ وهو له مُطِيعٌ، لبُعدِ قرابتِه منه، ولكنَّه يُعذِّبُ من يشاءُ من خلقِه في الدنيا على معصيتِه بالقتلِ والخسفِ والمَسْخِ، وغيرِ ذلك مِن صنوفِ عذابِه، ويَغْفِرُ لمن يشاءُ منهم في الدنيا بالتوبةِ عليه مِن كفرِه ومعصيتِه، فيُنْقِذُه مِن الهَلَكةِ، ويُنْجِيه مِن العقوبةِ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. يقولُ: واللَّهُ على تعذيبِ مَن أراد تعذيبَه مِن خلقِه على معصيتِه، وغُفْرانِ ما أراد غفرانَه منهم باستنْقاذِه مِن الهَلَكةِ بالتوبةِ عليه، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ كلِّها قادرٌ؛ لأن الخلْقَ خلقه، والمُلكَ ملكُه، والعبادَ عبادُه.
وخرَج قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. خطابًا له ﷺ، والمَعْنِيُّ به مَن ذكَرْتُ مِن فِرَقٍ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بمدينةِ
[— بداية ص ٨/ ٤١٣، page_id=5700 —]
رسولِ اللَّهِ ﷺ وما حوالَيْها.
وقد بيَّنَّا استعمالَ العربِ نظيرَ ذلك في كلامِها بشَواهدِه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: نزَلَت في أبى لُبابةَ بن عبدِ المُنْذِرِ، بقولِه لبنى قُرَيْظةَ حينَ حاصَرَهم النبيُّ ﷺ: إنما هو الذبحُ، فلا تَنْزِلوا على حكمِ سعدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: نزَلَتْ في رجلٍ مِن الأنصارِ، زعَموا أنه أبو لُبابةَ، أشارَت إليه بنو قُرَيْظةَ يومَ الحِصارِ: ما الأمرُ، وعلامَ نَنْزِلُ؟ فأشار إليهم: إنه الذبحُ (٢).
وقال آخَرون: بل نزَلَت في رجلٍ مِن اليهودِ، سأَل رجلًا مِن المسلمين يَسْأَلُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن حكمِه في قتيلٍ قتَلَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿لَا