تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه، ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن تقولوا الباطلَ، وتفتَروا الكذِبَ، فإن اللَّهَ يخبِرُه أخبارَكم، ويعرِّفُه أنباءَكم، ويقوِّمُه على الصوابِ في أمورِه.
وقولُه: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لو كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يعملُ في الأمورِ بآرائِكم، ويَقْبَلُ منكم ما تقولون له فيطيعُكم، ﴿لَعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: لنالَكم عنَتٌ. يعني: الشدَّةَ والمشقةَ في كثيرٍ من الأمورِ، بطاعتِه إياكم لو أطاعَكم؛ لأنه كان يخطئُ في أفعالِه، كما لو قَبِل من الوليدِ بنِ عقبةَ قولَه في بني المُصطَلِقِ: إنهم قد ارتَدُّوا، ومنَعوا الصَّدَقةَ، وجمَعوا الجموعَ لغَزوِ المسلمين. فغزاهم فقتَل منهم، وأصاب من دمائِهم وأموالِهم - كان قد قَتَل وقتَلْتُم من لا يحلُّ له ولكم (٢) قَتْلُه، وأَخَذَ وأخَذتُم من المالِ ما لا يحلُّ له ولكم أخْذُه من أموالِ قومٍ مسلمين، فنالَكم بذلك من اللَّهِ عَنَتٌ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الْإِيمَانَ﴾ باللَّهِ ورسولِه، فأنتم تُطيعُون [اللَّهَ ورسولَه] (١)، وتأتمون به، فيَقيكُم اللَّهُ بذلك من العَنَتِ ما لو لم تُطِيعوه وتتَّبِعوه و (٢) كان يُطيعُكم لَنَالَكُم وأصابَكُم.
وقولُه: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: وحسَّن الإيمانَ في قلوبِكم فآمَنتم، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ باللَّهِ، ﴿وَالْفُسُوقَ﴾. يعني الكذبَ، ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾. يعني: ركوبَ ما نهَى (٣) اللَّهُ عنه في خلافِ أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وتضييعِ ما أمَر اللَّهُ به، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين حبَّب اللَّهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبِهم، وكرَّه إليهم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ (٤)، هم الرَّاشِدون، السَّالِكون طريقَ الحقِّ.
وقولُه: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾. يقولُ: ولكِنَّ اللَّهَ حبَّب إليكم الإيمانَ، وأنعَم عليكم هذه النعمَ (٥) التي عدَّها؛ فضلًا منه وإحسانًا، ونعمةً منه أنعَمَها عليكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بالمُحسنِ مِنكم من المُسيءِ، ومَنْ هو لنِعَمِ اللَّهِ وفَضْلِه أهلٌ، ومَن هو لذلك غيرُ أهلٍ، وحكمةٍ في تدبيرِه خَلْقَه، وصَرْفِه إيَّاهم فيما شاءَ مِن قضائِه.
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال قتادةُ (٦).