Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لا تقرَبوا كثيرًا من الظنِّ بالمؤمنين، وذلك أن تظُنُّوا بهم سوءًا، فإن الظانَّ غيرُ مُحِقٍّ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾. ولم يقُلْ: اجتنِبوا (٣) الظَّنَّ كلَّه. إذ كان قد أذِن للمؤمنين أن يظنَّ بعضُهم ببعضٍ الخيرَ، فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. فأذِن اللَّهُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين أن يظنَّ بعضُهم ببعضٍ الخيرَ، وأن يقولوه، وإن لم
يكونوا مِن قيلِه فيهم على يقينٍ.
وبنحوِ الذي قُلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾. يقولُ: نهَى اللَّهُ المؤمنَ أن يظُنَّ بالمؤمنِ شرًّا (١).
وقولُه: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. يقولُ: إِنَّ ظنَّ المؤمنِ بالمؤمنِ الشرَّ لا الخيرَ إثمٌ؛ لأن اللَّهَ قد نَهاه عنه، ففعْلُ ما نَهَى اللَّهُ عنه إثمٌ.
وقولُه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. يقولُ: ولا يَتَتَبَّعْ بعضُكم عَوْرَةَ أخيه (٢)، ولا يبحثْ عن سرائرِه، يبتغي بذلك الظُّهورَ على عيوبِه، ولكن اقْنَعوا بما (٣) ظهَر لكم من أمرِه، وبه فاحْمَدوا أو ذُمُّوا، [لا على ما لا تَعْلَمونه] (٤) من سرائرِه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. يقولُ: نَهَى اللَّهُ المؤمنَ أَن يَتَتبَّعَ عَوْرَاتِ
يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليتجنب كثير منه احتياطًا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنَّن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.
وقال أبو عبد الله ابن ماجه: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري، حدثنا عبد الله بن عمر قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرًا" (٤). تفرد به ابن ماجه من هذا الوجه.
وقال مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" (١). رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم، عن يحيى بن يحيى وأبو داود، عن العتبي، عن مالك به (٢).
وقال سفيان بن عيينة: عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" رواه مسلم والترمذي وصححه من حديث سفيان بن عيينة به (٣).
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال، عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن" فقال الرجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ﷺ: "إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فأمض" (٤).
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد قال: أُتِيَ ابن مسعود برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به (٥). سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا ليث، عن إبراهيم بن نشيط الخولاني، عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم، عن دُخين كاتب عقبة قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر وأنا داعٍ لهم الشرط فيأخذونهم. قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دخين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا وإني داع لهم الشرط فتأخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل؟ فإني سمعت رسول الله يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤدة من قبرها". ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه (٦).
وقال سفيان الثوري، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزيd. 597 AHPrinted page: 4/ 151
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
سيف الله، ونحو ذلك. وقوله: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ أي: تسميتُه فاسقاً أو كافراً وقد آمن، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من التَّنابُز فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفيه قولان: أحدهما: الضارُّون لأنْفُسهم بمعصيتهم، قاله ابن عباس. والثاني: هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك، قاله ابن زيد.
قوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ قال ابن عباس: نهى اللهُ تعالى المؤمنَ أن يظُنَّ بالمؤمن شرّاً.
وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يسمع من أخيه كلاماً لا يريد به سوءاً، أو يدخُل مَدخلاً لا يريد به سوءاً، فيراه أخوه المسلم فيظُن به سوءاً. وقال الزجاج: هو أن يظُن بأهل الخير سوءاً. فأمّا أهل السوء والفسق، فلنا أن نظُنَّ بهم مِثْل الذي ظهر منهم. قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم يُنْه عن جميع الظَّنّ والظَّنُّ على أربعة أضرب. محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إِليه، فأمّا المحظور، فهو سوء الظن بالله تعالى، والواجب: حُسْنُ الظن بالله، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرُهم العدالةُ محظور، وأما الظن المأمور به، فهو ما لم ينصب عليه دليل يوصل إِلى العِلْم به، وقد تُعُبِّدنا بتنفيذ الحُكم فيه، والاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحُكم عليه واجب، وذلك نحو ما تُعُبِّدنا به من قبول شهادة العُدول، وتحرِّي القِبلة، وتقويم المستهلَكات، وأروش الجنايات التي لم يَرِدْ بمقاديرها توقيف، فهذا وما كان من نظائره قد تُعُبِّدنا فيه بأحكام غالب الظنُّون. فأمّا الظن المباح، فكالشّاكِّ في الصلاة إِذا كان إماماً، أمره النبيّ ﷺ بالتحرِّي والعملِ على ما يَغْلِب في ظنِّه، وإن فعله كان مباحاً، وإِن عَدَلَ عنه إِلى البناء على اليقين كان جائزاً.
(١٣٣٠) وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذا ظَنَنْتُم فلا تحقّقوا» ، وهذا من الظن الذي يَعْرِض في قلب الإِنسان في أخيه فيما يوجب الرِّيبة، فلا ينبغي له أن يحقِّقه.
وأما الظن المندوب إِليه، فهو إِحسان الظن بالأخ المسلم يُنْدَب إِليه ويُثاب عليه.
(١٣٣١) فأمّا ما روي في الحديث: «احترِسوا من الناس بسوء الظن» ، فالمراد: الإحتراس بحفظ المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحاً خشيت السُّرّاق.
قوله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ قال المفسرون: هو ما تكلم به مما ظنَّه من السُّوءِ بأخيه المسلم، فإن لم يتكلَّم به فلا بأس، وذهب بعضهم إِلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإِن لم يَنْطِق به. قوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا وقرأ أبو رزين والحسن والضحاك وابن سيرين وأبو رجاء وابن يعمر: بالحاء.
قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس واحد، وهو التَّبحُّث، ومنه الجاسوس. وروي عن يحيى بن أبي
كثير أنه قال: التجسس، بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع لحديث القوم. قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم فالمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطَّلع عليه إِذ ستره الله. وقيل لابن مسعود: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً، فقال: إِنا نُهينا عن التجسس، فإن يَظهرْ لنا شيء نأخذْه به.
قوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي: لا يتناول بعضُكم بعضاً بظهَر الغَيْب بما يَسوؤُه.
(١٣٣٢) وقد روى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ سئل ما الغيبة؟ قال: «ذِكْرُكَ أخاك بما يََكره. قال:
أرأيتََ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إِن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإِن لم يكن فقد بهتَّه» .
ثم ضَرَبَ اللهُ للغِيبة مثلاً، فقال: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً وقرأ نافع «ميّتاً» بالتشديد. قال الزجاج: وبيانه أن ذِكرك بسوءٍ مَنْ لم يَحْضُر، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يُحِسُّ بذلك. قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد لتحريم الغيبة، لأن أكل لحم المسلم محظور، ولأن النُّفوس تَعافُه من طريق الطَّبع، فينبغي أن تكون الغِيبة بمنزلته في الكراهة.
قوله تعالى: فَكَرِهْتُمُوهُ وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: «فكُرّهتموه» برفع الكاف وتشديد الراء. قال الفراء: أي وقد كرهتموه فلا تفعلوه، ومن قرأ «فكُرّهتموه» أي: فقد بُغِّض إِليكم، والمعنى واحد. قال الزجاج: والمعنى: كما تكرهون أكل لحمه ميتاً فكذلك تجنَّبوا ذِكْره بالسُّوء غائباً. قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في الغِيبة إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ على من تاب رَحِيمٌ به.
Footnotes are the editor's words, not the author's.