تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى البيان للحقِّ الذي بعثناه به، كما آتينا ذلك محمدًا ﷺ، فكذَّب به فرعون وقومه، كما كذَّبَت قريش محمدا ﷺ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾. يقولُ: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعَلَّمناهموها، وأنزَلْناها إليهم، ﴿هُدًى﴾.
يعنى: بيانًا لأمرِ دينهم، وما ألزمناهم من فرائضنا (٣)، ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ: وتَذْكيرًا مِنا لأهلِ الحجا والعقول منهم بها.
[— بداية ص ٢٠/ ٣٤٨، page_id=13746 —]
وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد لأمرِ ربِّك، وانفذ لما أرسَلك به من الرسالةِ، وبلِّغْ قومك ومَن أُمرتَ بإبلاغه ما أُنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك؛ مِن نُصْرَتِكَ ونُصْرَةِ مَن صدَّقكَ وآمن بك، على مَن كذَّبك وأنكَر ما جئتَه به مِن عندِ ربِّك، إن وعد الله حقٌّ لا خُلْفَ له، وهو [منجزه لك] (١)، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. يقولُ: وسَلْه غفران ذنبِك، وعفوه لك عنه، ﴿وَسَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصَلِّ بالشكر منك لربك، ﴿بِالْعَشِيِّ﴾، وذلك من زوال الشمس إلى الليلِ، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
وقد وَجَّه قومُ الإبكار إلى أنه من طلوع الشمسِ إلى ارتفاعِ الضُّحَى، وخُرُوجِ وقتِ الضُّحَى، والمعروف عند العرب القول الأول.
واختلف أهلُ العربية في وَجْهِ عطف الإبكارِ، والباء غيرُ حسن دخولها فيه؛ على العَشِيِّ، والباءُ تحسُنُ فيه؛ فقال بعضُ نحويى البصرة: معنى ذلك: وسبِّح بحمد ربك بالعشيِّ وفى الإبكارِ. وقال: قد يقالُ: بالدار زيدٌ. يراد: في الدارِ زيد. وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن معنى الكلام: صلِّ بالحمدِ بهذين الوقتَين، وفى هذين الوقتين. فإدخال "الباءِ" و "في" واحدٌ فيهما.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: إن الذين يُخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عندِ ربِّك مين الآيات، ﴿يغيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾. يقولُ: بغيرِ حُجَّةٍ جَاءَتْهم من عندِ اللهِ