تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والكوفةِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ بالياء، و: ﴿يَنفَعُ﴾ أيضًا بالياء (١). وقرأ ذلك بعضُ أهل مكة وبعضُ قرأةِ البصرة: (تَقُومُ) بالتاءِ، و: (تَنْفَعُ) بالتاء) (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ. وقد بينا فيما مضَى أن العرب تذكُرُ فعلَ جمع الرجل وتُؤَنِّثُ إذا تقدَّم، بما أغنى عن إعادته (٣).
وعنى بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: يومَ يقوم الأشهادُ من الملائكةِ والأنبياء والمؤمنين على الأممِ المُكَذِّبِةِ رُسُلَها، بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالاتِ ربِّهم، وأن الأم كذَّبَتهم. والأشهاد جمعُ شهيدٍ، كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: من ملائكة الله وأنبيائه والمؤمنين به (٤).
حدَّثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٥): يوم القيامة.
[— بداية ص ٢٠/ ٣٤٧، page_id=13745 —]
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِ الله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكة (١).
وقولُه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفعُ أهلَ الشركِ اعتذارهم؛ لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا باطلٍ، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحُجَجَ فيها، فلا حُجَّةَ لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب، [وأن] (٢) يقولوا: ﴿واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾. يقولُ: وللظالمين اللَّعْنَةُ، وهي البُعْدُ مِن رحمةِ اللهِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. يقولُ: ولهم مع اللعنة مِن اللهِ شَرُّ ما في الدارِ الآخرة، وهو العذاب الأليم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى البيان للحقِّ الذي بعثناه به، كما آتينا ذلك محمدًا ﷺ، فكذَّب به فرعون وقومه، كما كذَّبَت قريش محمدا ﷺ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾. يقولُ: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعَلَّمناهموها، وأنزَلْناها إليهم، ﴿هُدًى﴾.
يعنى: بيانًا لأمرِ دينهم، وما ألزمناهم من فرائضنا (٣)، ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ: وتَذْكيرًا مِنا لأهلِ الحجا والعقول منهم بها.