تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأعتَدْنا للكافرين باللهِ مِن اليهودِ، الذين وصَف اللهُ صفتَهم عذابًا مُهِينًا، ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. و ﴿وَالَّذِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ عَطْفاً على الكافرين.
وقولُه: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعنى: يُنفِقُه مراءاةَ الناسِ في غيرِ طاعةِ اللهِ أو غيرِ سبيلِه، ولكن في سبيلِ الشيطانِ، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: ولا يُصَدِّقون بوحْدانيَّةِ اللهِ، ولا بالمعادِ (١) إليه يومَ القيامةِ -الذي فيه جزاءُ الأعمالِ- أنه كائنٌ، وقد قال مجاهدٌ: إن هذا مِن صفةِ اليهودِ. وهو صفةُ أهلِ النفاقِ الذين كانوا أهلَ شركٍ، فأظْهَروا الإسلامَ تقيَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ و أهلِ الإيمانِ به، وهم على كفرِهم مقيمون، أشبهُ منهم بصفةِ اليهودِ؛ لأن اليهودَ كانت تُوَحِّدُ اللهَ، وتُصَدِّقُ بالبعثِ والمَعَادِ، وإنما كان كفرُها تكذيبَها بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ.
وبعدُ؛ ففى فصلِ اللهِ بينَ صفةِ الذين لا يُؤْمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ، وصفةِ الفريقِ الآخَرِ الذين وصَفهم في الآيةِ قبلَها وأخبر أن لهم عذابًا مُهِينًا، بالواوِ الفاصلةِ بينَهم - ما يُنْبِئُ عن أنهما صفتانِ مِن نوعيْن مِن الناسِ مختلفَي المعاني، وإن كان
[— بداية ص ٧/ ٢٧، page_id=4592 —]
جميعُهم أهلَ كفرٍ باللهِ، ولو كانت الصفتان كلتاهما صفةَ نوعٍ مِن الناسِ لقيل إن شاء اللهُ: وأعْتَدنا للكافرين عذابًا مُهينًا، الذين يُنفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ. ولكن فصَل بينَهم بالواوِ لما وصَفْنا.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن دخولَ الواوِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فى عطفِ صفةٍ على صفةٍ لموصوفٍ واحدٍ فى كلامِ [العربِ. قيل: ذلك] (١) وإن كان كذلك، فإن الأفصحَ في كلامِ العربِ إذا أُرِيد ذلك، تركُ إدخالِ الواوِ، وإذا أُرِيد بالثانى وصفٌ آخرُ غيرُ الأَوَّلِ، إدخالُ (٢) الواوِ، وتوجيهُ كلامِ اللهِ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه كتابُه أَوْلَى بنا مِن توجيهِه إلى الأنكرِ مِن كلامِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَكُنِ الشيطانُ له خليلاً وصاحبًا، يَعْمَلُ بطاعتِه ويَتَّبِعُ أمرَه، ويَتْرُكُ أمرَ اللَّهِ، فى إنفاقِه مالَه رئاءَ الناسِ في غيرِ طاعتِه وجُحودِه وحْدانيَّةَ اللهِ والبعثَ بعدَ المماتِ - ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾. يقولُ: فساء الشيطانُ قرينًا، وإنما نُصِب القرينُ؛ لأن فى "ساء" ذكرًا مِن الشيطانِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وكذلك تَفْعَلُ العربُ في "ساء" ونظائرِها. ومنه قولُ عَدِيٍّ بنِ زيدٍ (٣):
عن المرءِ لا تَسْأَلْ وأبْصِرُ (٤) قرينَه … [فإنَّ القَرينَ] (٥) بالمُقارَنِ مُقْتَدِ (٦)