تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأما المؤمنون المقرُّون بوحدانيةِ اللهِ، الخاضعون له بالطاعةِ، المتذلِّلون له بالعبوديةِ، والعاملون الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك أن يرِدوا على ربِّهم، قد آمَنوا به وبرسِله (١)، وعمِلوا بما أتاهم به رسلُه من عندِ ربِّهم، من فعلِ ما أمَرهم به، واجتنابِ ما أمَرهم باجتنابِه، ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يقولُ: فيوفِّيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ وافيّا تامًّا، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، يعنى جلّ ثناؤُه: ويزيدُهم على ما وعَدهم من الجزاءِ على أعمالِهم الصالحةِ، والثوابِ عليها من الفضلِ والزيادةِ ما لم يعرِّفْهم مبلغَه ولم يَحِدَّ لهم مُنْتهاه، وذلك أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤه وعَد مَن جاء من عبادِه المؤمنين بالحسنةِ الواحدةِ عَشْرَ أمثالِها من الثوابِ والجزاءِ، فذلك هو أجرُ كلِّ عاملٍ على عملِه الصالحِ من أهلِ الإيمانِ، المحدودُ مبلَغُه، والزيادةُ على ذلك تفضُّلٌ (٢) من اللهِ عليهم، وإن كان كلُّ ذلك من فضلِه على عبادِه، غيرَ أن الذى وعَد عبادَه المؤمنين أن يوفِّيهم فلا ينقُصُهم من الثوابِ على أعمالِهم الصالحةِ، هو ما حدَّ مبلغَه من العَشْرِ، والزيادةُ
ص ٧/ ٧١٠
على ذلك غيرُ محدودٍ مبلَغُها، فيزيدُ مَن شاء من عبادِه على ذلك على قَدْرِ ما يشاءُ، لا حدَّ القَدْرِه يُوقَفُ عليه.
وقد قال بعضُهم: الزيادةُ إلى سبعِمائةِ ضِعْفٍ. وقال آخرون: إلى ألفيْن.
وقد ذكرتُ اختلافَ المختلفِين في ذلك فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١).
وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ فإنه يعنى: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرارِ للهِ بالعبوديةِ، والإذعانِ له بالطاعةِ، واستكبروا عن التذلُّلِ لألوهتِه وعبادتِه، وتسليمِ الوحدانيةِ والربوبيةِ له، ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: عذابًا مُوجِعًا، ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، يقولُ: ولا يجدُ المستنكفون عن (٢) عبادتِه، والمستكبرون عنها إذا عذَّبهم اللهُ (٣) الأليمَ من عذابِه، سوى اللهِ لأنفسِهم ﴿وَلِيًّا﴾ يُنْجِيهم من عذابِه، ويُنقِذُهم منه، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾، يعني: ولا ناصرًا ينصُرُهم، فيَسْتَنْقِذُهم من ربِّهم، ويدفَعُ عنهم بقوَّتِه (٤) ما أحلَّ بهم من نقمتِه، كالذى كانوا يفعَلون بهم إذا أرادهم غيرُهم من أهلِ الدنيا فى الدنيا بسوءٍ من نصرتِهم، والمدافعةِ عنهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ

