Commentaries: 3 shown of 10 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تعبدْ ما أمَرك به هؤلاء المشركون من قومِك يا محمدُ بعبادتِه، بل الله فاعبُدْ دونَ كلِّ ما (١) سواه من الآلهةِ والأوثانِ والأندادِ، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للهِ على نعمتِه عليك، بما أنعَم عليك من الهدايةِ لعبادتِه (٢)، والبراءةِ من عبادةِ الأصنامِ والأوثانِ، ونُصِبَ اسمُ ﴿اللَّهَ﴾ بقولِه: ﴿فَاعْبُدْ﴾. وهو بعدَه؛ لأنه ردُّ كلامٍ، ولو نُصِب بمضمرٍ قبلَه، إذ كانت العربُ تقولُ: زيدٌ فليقُمْ، [وزيدًا فليقُمْ] (٣). رفعًا ونصبًا؛ الرفعُ على: فليُنظَرْ زيدٌ
فليقُمْ. والنصبُ على: انظُروا زيدًا فليقُمْ - كان صحيحًا جائزًا.
وقولُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما عظَّم الله حَقَّ عظمتِه، هؤلاء المشركون باللهِ، الذين يدعونك إلى عبادةِ الأوثانِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: هم الكفارُ الذين لم يؤمِنوا بقدرةِ اللهِ عليهم؛ فمن آمَن أن الله على كلَّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر الله حَقَّ قدرِه، ومَن لم يُؤْمِنْ بذلك، فلم [يقدُرِ الله] (١) حقَّ قدرِه (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عظَّموا الله حقَّ عظمتِه (٣).
وقولُه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والأرضُ كلُّها قبضتُه في يومِ القيامةِ، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ كلُّها ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فالخبرُ عن الأرضِ متناهٍ عندَ قولِه: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، و ﴿وَالْأَرْضُ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿قَبْضَتُهُ﴾، ثم استأنَف (٤) الخبرَ عن السماواتِ فقال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. وهي مرفوعةٌ بـ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾.
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 6/ 466
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدقك.
يقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره وقدرته.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم. فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (٤).
وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمراراها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البخاري: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد الله ﷿ يجعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحَبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية (٥). ورواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما كلهم من حديث
سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود ﵁ بنحوه (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على أصبع والسماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع؟ قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه قال: وأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. . .﴾ إلى آخر الآية (٢)، وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله ﷾ السماء على ذه - وأشار بالسبابة - والأرض على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه - كل ذلك يشير بأصابعه -؟ قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية (٤). وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن الصلت أبي جعفر، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥).
ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" (٦). تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر (٧).
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﵎ يقبض يوم القيامة الأرضين على أصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك" (٨).
تفرد به أيضًا من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ
﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾؟ «غير»: إما منصوب ب ﴿أَعْبُدُ﴾ أي أعبد غير الله فيما تأمروني به، وإمّا منصوب ب ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ لأنه يقتضي مفعولين: الثاني منهما بحرف جر، كقولك: أمرتك الخير، أي بالخير. فالياء: هي المفعول الأول، وغير: مفعول ثان. وأعبد: في موضع البدل من «غير» تقديره: أتأمروني بغير الله أن أعبد.
﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾﴿اللهَ﴾: منصوب باعبد أو منصوب بتقدير فعل، أي بل اعبد الله فاعبد. والفاء: زائدة عند الأخفش، وغير زائدة عند غيره.
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ.﴾. ﴿الْأَرْضُ﴾: مبتدأ، و ﴿قَبْضَتُهُ﴾: خبره، و ﴿جَمِيعاً﴾:
حال.
البلاغة:
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ استعارة، شبه الخيرات والبركات والأرزاق بخزائن، واستعار لها لفظ المقاليد أي المفاتيح، والمعنى: خزائن رحمته وفضله بيده تعالى.
﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من خير وشر وإيمان وكفر ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قيّم يتولى التصرف فيه ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفاتيح خزائنها من المطر والنبات وغيرهما، لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ القرآن ودلائل قدرة الله ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أنفسهم، وهذا عائد على فريق المكذبين الذين نسبوا لله ولدا وشريكا، وما قبله اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد، مطلع على أفعالهم، مجاز عليها.
﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ أي أفغير الله أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد، و ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك. وقرئ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتخفيف النون، مثل: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي تبشرونني.
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. كلام على سبيل الفرض، والمراد به تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، وتنبيه الأمة. وأفرد الخطاب: باعتبار كل واحد. واللام الأولى: موطئة للقسم، والأخيرتان للجواب. وعطف الخسران على إحباط: الأعمال:
من عطف المسبب على السبب. و ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ليذهبن هباء منثورا. والإحباط: الإبطال.
﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ.﴾. رد لما أمروه به ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إنعامه عليك ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظّموه حق التعظيم اللائق به، حيث جعلوا له شريكا ووصفوه بما لا يليق به ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً﴾ أي الأراضي السبع ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ مقبوضة له في ملكه وتصرفه، والقبضة: المرة من القبض ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ مجموعات بقدرته. وهذه الآية تنبيه على عظمة الله وكمال قدرته وحقارة الأجرام العظام بالنسبة لقدرته، وفيها دلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه. والآية على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا، كما ذكر الزمخشري والبيضاوي. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه وتقدس وتعاظم الله عما يشركون معه، فما أبعد ما ينسب إلى الله من الولد والشريك عن قدرته وعظمته.
هذا واليمين تطلق على اليد، وعلى القدرة والملك، وعلى القوة: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٥/ ٦٩] أي بالقوة والقدرة، والمعنى لأخذنا قوته وقدرته. قال الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد... تلقاها عرابة باليمين
Footnotes are the editor's words, not the author's.