تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين من قريش: أَأُنزلَ على محمدٍ الذكرُ من بيننا، فخُصَّ به، وليس بأشرفَ منا حسبًا؟!
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين ألَّا يكونوا أهلَ علمٍ بأن محمدًا صادقٌ، ولكنهم في شكّ من وحيِنا إليه، وفي هذا القرآنِ الذى أنزَلناه إليه أنه مِن عندِنا، ﴿بَل لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابٍ﴾. يقولُ: بل لم ينزِلْ بهم بأسُنا، فيَذوقوا وبالَ تكذيبِهم محمدًا، وشكِّهم في تنزيلِنا هذا القرآن عليه، ولو ذاقوا العذابَ على ذلك علِموا وأيقَنوا حقيقةً ما هم به مكذِّبون، حينَ لا ينفعُهم علمُهم.
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم عندَ هؤلاء المشركين المنكرين وحىَ اللهِ إلى محمدٍ ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. يعني: مفاتيحُ رحمةِ ربِّك يا محمدُ، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في سلطانِه، ﴿الْوَهَّابِ﴾ لمن يشاءُ من خلقِه ما يشاءُ، من مُلكٍ وسلطانٍ ونبوةٍ - فيَمنَعوك يا محمدُ ما منَّ اللهُ به عليك من الكرامةِ، وفضَّلك به من الرسالة.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.
ص ٢٠/ ٢٧
يقولُ تعالى ذكرُه: أم لهؤلاء المشركين الذين هم في عِزةٍ وشقاقٍ ﴿مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فإنه لا يُعازُّنى ويُشاقُّنى [إلا من [كان له] (١) ذلك. يقولُ: ليس ذلك لأحدٍ غيرى، فكيف يُعازُّنى ويشاقُّني] (٢) مَن كان في مُلكي وسلطاني!
وقولَه: ﴿فَلْيَرَتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: وإن كان لهم مُلكُ السماواتِ والأرض وما بينهما، فلْيَصْعدوا في أبواب السماءِ وطُرقها، فإِنَّ مَن كان له مُلكُ شيءٍ، لم يتعذَّر عليه الإشرافُ عليه وتفقُّدُه وتعهُّدُه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الأسبابِ التي ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضهم: عُنِى بها أبوابُ السماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعُا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: طُرقِ السماءِ وأبوابِها (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾. يقولُ: في أبوابِ السماءِ (٤).

