تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد هؤلاء القائلين: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ﴾. إذ (١) هم ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حَياءً [من ربِّهم] (٢) للذى سلَف منهم مِن مَعاصِيه في الدنيا، يقولون: يا ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا نُكَذِّبُ به من عقابِك أهلَ مَعاصِيك، ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ ما كانت رسلُك تَأْمُرُنا به في الدنيا، ﴿فَارْجِعْنَا﴾. يقولُ: فَارْدُدْنا إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ﴾ فيها بطاعتِك، وذلك العملُ الصالحُ؛ ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. يقولُ: إنا قد أيْقَنَّا الآنَ (٣) ما كنا به في الدنيا جُهَّالًا مِن وَحْدانيتك، وأنه لا يَصْلُحُ أَن يُعْبَدَ سِواك، ولا يَنْبَغى أن يكونَ ربٌّ سِواك، وأنك تَحْيى وتُميتُ، وتَبْعَثُ مَن في القبورِ بعدَ المَماتِ والفَناءِ، وتَفْعَلُ مَا تَشاءُ.
وبنحوِ ما قلْنا في قولِه: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في (٤) قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: قد حزنوا واسْتَحْيَوْا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.
ص ١٨/ ٦٠٦
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ يا محمدُ، ﴿لَآتَيْنَا﴾ هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن قومِك، وغيرَهم مِن أهل الكفرِ باللهِ - ﴿هُدَاهَا﴾ .. يعنى: رُشْدَها وتوفيقَها للإيمانِ باللهِ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾. يقولُ: وجَب العذابُ منى لهم.
وقولُه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعنى: مِن أهلِ المعاصى والكفرِ باللهِ منهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. قال: لو شاء اللهُ لهَدَى الناسَ جميعًا لو شاء اللهُ لأَنزل عليهم (١) من السماءِ آيةً فظلَّت أعناقُهم لها خاضِعين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: حقَّ القولُ عليهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يقال لهؤلاء المشركين باللَّهِ، إذا هم دخَلوا النار: ذُوقوا عذابَ اللهِ بما نسِيتُم لقاء يومِكم هذا في الدنيا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. يقولُ: إنا ترَكْناكم اليومَ في النارِ.

