تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
وأما قولُه: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾. فإن القرَأةَ أجمعينَ على فتحِ الياءِ فيها، والواجبُ على قراءةِ مَن قرَأ (الم غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتحِ الغينِ، أن يَقْرَأَ قولَه: (سَيُغْلَبُونَ) بضمِّ الياءِ (١)، فيَكونَ معناه: وهم من بعدِ غلبتِهم فارسَ، سيَغْلِبُهم المسلمون؛ حتى يَصِحَّ معنى الكلامِ، وإلا لم يَكُنْ للكلامِ كبيرُ معنًى إن فُتِحت الياءُ؛ لأن الخبرَ عما قد كان يصيرُ إلى الخبرِ عن أنه سيكونُ، وذلك إفسادُ أحدِ الخبرَينِ بالآخرِ.
وقولُه: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنى "البِضعِ" فيما مضَى، [وأتَيْنا على] (٢) الصحيحِ من أقوالِهم، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا خلادُ بنُ مسلمٍ الصّفارُ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ ابن عمرٍو، قال: قلتُ له: ما البضعُ؟ قال: زعم أهلُ الكتابِ أنه تسعٌ أو سبعٌ (٤).
وأما قولُه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. فإن القاسمَ حدَّثنا، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلِ دولةِ فارسَ على الرومِ، [و [من بعدِ دولةِ] (٥) الرومِ] (٦) على فارسَ (٧).
ص ١٨/ ٤٦٠
وأما قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾. فقد ذكَرْنا الروايةَ في تأويلِه قبلُ، وبيَّنا معناه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعْدَ اللهِ جلَّ ثناؤُه؛ وعَد أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ من بعدِ غَلَبَةِ فارس لهم. ونُصِب ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ على المصدرِ من قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لأن ذلك وعدٌ من اللهِ لهم أنهم سيَغْلِبون، فكأنه قال: وعَد اللهُ ذلك المؤمنين وعدًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللهَ يَفِى بوعدِه للمؤمنين أن الرومَ سَيغْلِبون فارسَ، لا يُخلِفُهم وعدَه ذلك؛ لأنه ليس في مواعيدِه خُلفٌ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ قريشٍ الذين يُكَذِّبون بأن اللهَ منجزٌ وعدَه المؤمنين من أن الرومَ تَغْلِبُ فارسَ -لا يَعْلَمون أن ذلك كذلك، وأنه لا يَجوزُ أن يَكونَ في وعدِ اللهِ إخلافٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يعلمُ هؤلاء المكذِّبون بحقيقةِ خبرِ اللهِ أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ- ﴿ظَاهِرًا﴾ مِن أمرِ (١) حياتِهم الدنيا وتدبيرِ (٢) معايشِهم فيها، وما يُصْلِحُهم، رهم عن أمرِ آخرتِهم، وما لهم فيه النجاةُ من عقابِ (٣) اللهِ هنالك غافلون، لا يُفَكِّرون فيه.

