تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الحجازِ من مكةَ والمدينةِ، وقَرأةِ الكوفةِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) على وجهِ الخطابِ (١). وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، بالياء كِلْتَيْهما على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ (٢). وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (أفغيرَ دينِ اللهِ يَبْغون) على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ، (وإليه تُرجعون) بالتاء على وجْهِ المخاطبةِ (٣).
وأوْلى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) على وَجْهِ الخطابِ، (وإليه تُرْجَعون) بالتاءِ؛ لأنَّ الآيةَ التي قبلَها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطابِ نَظِيرَه أوْلى من صَرْفِ الكلامِ إلى غيرِ نَظِيرِه، وإن كانَ الوجْهُ الآخر جائزًا؛ لما قد ذَكرْنا فيما مضَى قَبلُ، مِن أنّ الحكايةَ يَخرُجُ الكلامُ معها أحيانًا على الخطابِ كلِّه، وأحيانًا على وجْهِ الخبِر عن الغائبِ، وأحيانًا بعضُه على الخطابِ، وبعضُه على الغَيْبةِ، فقولُه: (تَبْغُونَ) (٤)، (وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) في هذه الآيةِ من ذلك.
وتأويلُ الكلامِ (٥): يا معشرَ أهلِ الكتابِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) يقولُ: أَفَغَيرَ
[— بداية ص ٥/ ٥٤٩، page_id=3666 —]
طاعةِ اللهِ تلتمسونَ وتريدونَ. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقولُ: وله خشَع مَن في السماواتِ والأرضِ، فخضَع له بالعبودةِ، وأقرَّ له بإفرادِ الرُّبوبيةِ، وانقَاد له بإخلاصِ التوحيدِ والألوهةِ. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. يقولُ: أسلَمَ للهِ طائعًا، مَن كان إسلامُه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكةِ والأنبياءِ والمرسلين، فإنهم أسلَموا للهِ طائعينَ، ﴿وَكَرْهًا﴾: مَن كان منهم كارِهًا.
واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى إسلامِ الكارهِ الإسلامَ وصِفَتِه؛ فقال بعضُهم: إسلامُه إقرارُه بأنّ الله خالقُه وربُّه، وإنْ أشْرَك معه في العبادةِ غيرَه.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ (١): ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: هو كقولِه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) [الزمر: ٣٨].
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: (وله أسلمَ من في السماواتِ والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه تُرجعونَ). قال: كلُّ آدميٍّ قد (٣) أقرَّ على نفْسِه بأنَّ الله ربِّي وأنا عبدُه، فمَنْ أَشْرَك في عبادتِه، فهذا الذي أسلَم كَرهًا، ومَن أخلَص للهِ (٤) العبودةَ، فهو الذي أسلمَ