Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر اللهُ بالقومِ الذين حاوَلوا قتلَ عيسى مع كفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم عيسى فيما أتاهم به مِن عندِ ربِّهم، إذ قال اللهُ جل ثناؤُه: إنى مُتَوَفِّيك. فهو ﴿إِذْ﴾ صلةٌ مِن قولِه: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعنى: ومكَر اللهُ بهم حينَ قال اللهُ لعيسى: إنى مُتوفِّيك ورافِعُك إلى فتوَفَّاه ورفَعه إليه.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنَى "الوفاةِ" التي ذكَرها اللهُ ﷿ في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هي وفاةُ نومٍ. وكان معنَى الكلامِ على مَذْهَبِهِم: إني مُنِيمُك
ص ٥/ ٤٤٨
ورافعُك في نومِك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: يعنى وفاةَ المنَامِ؛ رفَعه اللهُ في مَنامِه. قال الحسنُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ لليهودِ: "إن عيسَى لم يَمُتْ، وإنه راجِعٌ إليكم قبلَ يومِ القيامةِ" (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إنى قابضُك مِن الأرضِ فرافِعُك إليَّ. قالوا: ومعنَى الوفاةِ القبضُ. كما يُقالُ: تَوفَّيْتُ مِن فلانٍ مالىَ عليه. بمعنى: قبَضْتُه واسْتَوْفَيْتُه. قالوا: فمعنَى قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. أي: قابضُك مِن الأرض حيًّا إلى جِوارِى، وآخِذُك إلى ما عندِى بغيرِ موتِ، ورافعُك مِن بين المشركين وأهلِ الكفرِ بك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ الوَرَّاقِ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: مُتَوفِّيك مِن الدنيا، وليس بوفاةِ موتٍ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعمرٌ، عن
اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من
ص ٢/ ٣٥١
المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إليّ ومتوفيك، يعني بعد ذلك (١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك (٢).
وقال محمد بن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفّاه الله ثلاث ساعات من النهار حين رفعه إليه (٣). قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفّاه سبع ساعات، ثم أحياه.
وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.
وقال مطر الوراق: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت (٤)، وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا (٥) - النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر]، وكان رسول الله ﷺ، يقول إذا قام من النوم: "الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا … " (٦) الحديث. وقال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ [وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾] (٧) إلى قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ (¬٨) بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء].
والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذٍ يؤمن به أهل الكتاب كلهم، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: يعني وفاة المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ[لليهود] (٩): "إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة" (١٠).
وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح ﵇، لما رفعه الله إلى السماء،
قوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ قال ابن قتيبة: التوفي، من استيفاء العدد يقال:
توفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: وفاة، وتوف. وأنشد أبو عبيدة «٢» :
إِنَّ بني الأدرد ليسوا من أحدٍ ... ليسوا إِلى قيس وليسوا من أسد
ولا توفاهم قريش في العدد أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام. وفي هذا التوفي قولان: أحدهما: أنه الرفع إلى السماء. والثاني: أنه الموت. فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيماً من غير تقديم ولا تأخير، ويكون معنى «متوفيك» قابضك من الأرض وافياً تاماً من غير أن ينال منك اليهود شيئاً، هذا قول الحسن، وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره الفراء. ومما يشهد لهذا الوجه قوله تعالى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ «٣» ، أي: رفعتني إلى السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه، لا بعد موته. وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إليَّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا قول الفراء، والزجاج في آخرين. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعَه إلى السماء لا يمنع من موته «٤» . قال سعيد بن المسيب: رُفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال: ماتت قبل رفعه.
قوله تعالى: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه قولان: أحدهما: أنه رفعه من بين أظهرهم.
والثاني: منعهم من قتله «٥» . وفي الذين اتبعوه قولان: أحدهما: أنهم مسلمون من أمّة محمّد ﵇، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه روح الله وكلمته، وهذا قول قتادة، والرّبيع، وابن السّائب. والثاني:
ص ١/ ٢٨٨
أنهم النصارى، فهم فوق اليهود، واليهود مستذلون مقهورون، قاله ابن زيد.
قوله تعالى: فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يعني الدّين.
قوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يعني ما جرى من القصص. مِنَ الْآياتِ يعني الدلالات على صحة رسالتك، إذ كانت أخباراً لا يعلمها أميٌ. وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ قال ابن عباس: هو القرآن. قال الزجاج: معناه: ذو الحكمة في تأليفه ونظمه، وإبانة الفوائد منه.
قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية، مخاصمة وفد نجران من النصارى للنبيّ ﷺ، في أمر عيسى، وقد ذكرناه في أول السورة «١» . فأما تشبيه عيسى بآدم، فلأنهما جميعاً من غير أب.
وقوله تعالى: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ يعني: آدم. قال ثعلب: وهذا تفسير لأمر آدم. وليس بحال.
قوله تعالى: ثُمَّ قالَ لَهُ يعني آدم، وقيل لعيسى كُنْ فَيَكُونُ أي: فكان: فأريد بالمستقبل الماضي، كقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ «٢» أي: ما تلت.