Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن اليهودِ وكراهتِهم الموتَ، وامتناعِهم من الإجابةِ إلى ما دُعُوا إليه مِن تَمنِّى الموتِ؛ لعلمِهم بأنهم إن فعَلوا ذلك فالوعيدُ بهم نازلٌ، والموتُ بهم حالٌّ، ولمعرفتِهم بمحمدٍ ﷺ أنه رسولٌ مِن اللهِ إليهم مرسلٌ، وهم به مُكذِّبون، وأنَّه لن يُخْبرَهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخْبَر، فهم يَحذَرُون أن يتَمنَّوا الموتَ، خوفًا أن يَحِلَّ بهم عقابُ اللهِ بما كسَبت أيديهم مِن الذنوبِ.
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ
إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ -فيما يرَى أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية. أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكذبُ، فأبَوا (١) ذلك على رسولِ اللهِ ﷺ. يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لعلمِهم بما عندَهم مِن العلمِ بك والكفرِ بذلك (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ يقولُ: يا محمدُ، ولن يتَمنَّوه أبدًا؛ لأنهم يَعْلَمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتَمنَّوه، ورَغِبوا في التعجيلِ إلى كَرامتى، فليس يتَمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وكانت اليهودُ أشدَّ الناسِ (٤) فرارًا مِن الموتِ، ولم يكونوا ليتَمنَّوه أبدًا.
وأما قولُه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. فإنه يَعْنى به: بما أسْلَفَتْه أيديهم. وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحوِ ما تتَمَثَّلُ به العربُ في كلامِها، فتقولُ للرجلِ يُؤْخَذُ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جنايةٍ جَناها فيعاقبُ عليها: نالك هذا بما جَنَتْ يداك، وبما كَسبت يداك، وبما قَدَّمت يداك. فتُضِيفُ ذلك إلى اليدِ، ولعلَّ الجنايةَ التى جَناها فاستحقَّ عليها العقوبةَ كانت باللسانِ أو بالفَرْجِ أو بغيرِ ذلك مِن أعضاءِ جسدِه سِوَى
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 1/ 495
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ أي: (لعلمهم) (١) بما عندهم من العلم (بك) (٢) والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وقال الضحاك (٣)، عن ابن عباس: فتمنوا الموت - (فسلوا) (٤) الموت.
وقال عبد الرزاق (٥)، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى (يهود) (٦) الموت لماتوا.
وقال ابن أبي حاتم (٧): (حدثنا) (٨) أبي: حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش؛ قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (٩) قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.
وقال ابن جرير (١٠) في "تفسيره": وبلغنا أن (رسول الله) (١١) ﷺ قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا".
حدثنا (١٢) بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا (عبيد الله) (١٣) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس (﵄) (١٤)، عن رسول الله ﷺ.
ورواه الإمام أحمد، عن إسماعيل بن يزيد الرقي (أبي يزيد) (١): حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به.
وقال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن؛ قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا، والله ما كانوا ليموتوا، (لو) (٣) تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.
وهذا غريب عن الحسن، (ثم) (٤) هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم، أو من المسلمين على وجه المباهلة.
ونقله ابن جرير عن "قتادة" (٥)، وأبي العالية (٦)، والربيع بن أنس ﵏ (تعالى).
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة] فهم، عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين؛ فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك؛ فلما تأخروا علم كذبهم؛ وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وقد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، (وعتوهم) (٧) وعنادهم، إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف؛ فعند ذلك جنحوا (للسلم) (٨)، (وبذلوا) (٩) الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح (﵁) (١٠) أمينًا.
ومثل هذا المعنى، (أو) (١١) قريب منه، (قوله) (١٢) تعالى لنبيه (ﷺ) (١٣) أن يقول للمشركين:
قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ، كانت اليهود تزعم أن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية. ومن الدليل على علمهم بأن النبيّ ﷺ صادق، أنهم ما تمنوا الموت، وأكبر الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ فما تمناه أحد منهم. والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، وتبديل التوراة.
قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ، اللام: لام القسم، والنون توكيد له، والمعنى: ولتجدنَّ اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا.
وفي الَّذِينَ أَشْرَكُوا قولان: أحدهما: أنهم: المجوس، قاله ابن عباس، وابن قتيبة والزجاج.
والثاني: مشركو العرب، قاله مقاتل.
قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، في الهاء والميم من «أحدهم» قولان: أحدهما: أنها تعود على الذين أشركوا، قاله الفرّاء. والثاني: ترجع إلى اليهود، قاله مقاتل.
قال الزجاج: وإنما ذكر أَلْفَ سَنَةٍ لأنها نهاية ما كانت المجوس تدعو بها لملوكها، كان الملك يحيّا بأن يقال له: عش ألف نيروز، وألف مهرجان.
قوله تعالى: وَما هُوَ فيه قولان ذكرهما الزجاج: أحدهما: أنه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره، تقديره: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره. والثاني: أن يكون «هو» كناية عما جرى من التعمير، فيكون المعنى: وما تعميره بمزحزحه من العذاب، ثم جعل «أن يعمّر» مبيناً عنه، كأنه قال: