Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقول تعالى ذكره: قال زكريا لمَّا بشَّره الله بيحيى: ربِّ أَنَّى يكونُ
ص ١٥/ ٤٦٤
لي غُلامٌ، ومن أيِّ وجهٍ يكون لي ذلك، وامرأتى عاقرٌ لا تَحبَلُ، وقد ضعُفْتُ من الكِبَرِ عن مباضعةِ النساءِ؟! أبأن تُقَوِّيَنى على ما ضعُفْتُ عنه مِن ذلك، وتجعلَ زوجتى ولودًا -فإنك القادرُ على ذلك، وعلى ما تشاءُ- أم بأن أنكِحَ زوجةً غيرَ زوجتى العاقرِ؟ يَسْتَثْبِتُ ربَّهُ الخبرَ عن الوجه الذى يكونُ من قِبَلِه له الولد الذى بشَّره الله به، لا إنكارًا منه ﷺ حقيقةَ كون ما وعده الله من الولدِ، وكيف يكون ذلك منه إنكارًا لأنْ يَرْزقَه الولد الذى بشَّره به، وهو المُبتدِئُ مسئلةَ ربِّه ذلك بقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. بعد قوله: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؟!
وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنى موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نادى جبريل زكريا: إِنَّ اللهَ يُبشِّرُك بغلام اسمه يحيى لم يَجعَلْ (١) له مِن قبل سميًّا. فلما سمِع النداءَ جاءَه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذى سمِعتَ ليس من الله؛ إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان مِن اللهِ أوحاه إليك كما يُوحى إليك غيره من الأمر. فشك مكانه (٢) وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. يقولُ: من أين يكون ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾(٣) [آل عمران: ٤٠]؟!
هذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا؛ أي: عسا عظمه ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًا وعتوًا، وعسا يعسو عسوًا وعسيًا (١)، وقال مجاهد: عتيا؛ يعني: نحول العظم (٢)، وقال ابن عباس وغيره: عتيا؛ يعني: الكبر (٣)، والظاهر أنه أخص من الكبر.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السُّنة كلَّها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾(٤) أو عُسيًا؟ (٥)(٦)، ورواه الإمام أحمد عن سُريج بن النعمان وأبو داود، عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به (٧).
﴿قَالَ﴾ أي: الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، ﴿هَيِّنٌ﴾ أي: يسير سهل على الله.
ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان].
يقول تعالى مخبرًا عن زكريا ﵇ أنه: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة ودليلًا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]. ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾
ص ٥/ ٢١١
أي: علامتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي: أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليالٍ، وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة (١). قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة (٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي: متتابعات (٣)، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران].
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ من غير خرس (٤).
وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إشارة، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إشارة خفية سريعة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكرًا لله على ما أولاه.
قال مجاهد: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار (٥). وبه قال وهب وقتادة (٦).
وقال مجاهد في رواية عنه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: كتب لهم في الأرض (٧)، وكذا قال السدي (٨).
وهذا أيضًا تضمن محذوفًا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو: يحيى ﵇، وأن الله علَّمه الكتاب، وهو: التوارة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنُّه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه
قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ في الكلام إِضمار، تقديره: فاستجاب الله له فقال: «يا زكريّا إِنا نبشِّرك» . وقرأ حمزة: «نَبْشُرك» بالتّخفيف. وقد شرحنا هذا في سورة آل عمران «١» . قوله تعالى:
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا فيه ثلاثة أقوال «٢» : أحدها: لم يُسمَّ يحيى قبله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وقتادة، وابن زيد، والأكثرون. فإن اعترض معترض، فقال: ما وجه المِدْحَة باسم لم يُسمَّ به أحد قبله، ونرى كثيراً من الأسماء لم يُسبَق إِليها؟ فالجواب: أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولَّى تسميته، ولم يَكِل ذلك إِلى أبويه، فسماه باسم لم يُسبَق إِليه. والثاني: لم تلد العواقر مثله ولداً، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. فعلى هذا يكون المعنى: لم نجعل له نظيراً. والثالث: لم نجعل له من قبل مِثْلاً وشِبْهاً، قاله مجاهد. فعلى هذا يكون عدم الشَّبَه من حيث أنه لم يعص ولم يهمّ
ص ٣/ ١٢١
بمعصية. وما بعد هذا مفسر في آل عمران «١» إِلى قوله: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً. وفي معنى «كانت» قولان: أحدهما: انه توكيد للكلام، فالمعنى: وهي عاقر، كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ «٢» أي: أنتم.
والثاني: أنها كانت منذ كانت عاقراً، لم يحدُث ذلك بها، ذكرهما ابن الأنباري، واختار الأول. قوله تعالى: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «عتيّا» و «بكيّا» «٣» و «صليّا» «٤» بضم أوائلها. وقرأ حمزة، والكسائي، بكسر أوائلها، وافقهما حفص عن عاصم، إِلا في قوله: «بُكيّاً» فإنه ضم أوله. وقرأ ابن عباس، ومجاهد: «عُسِيّاً» بالسين قال مجاهد: «عتيّاً» هو قُحُول العظم. وقال ابن قتيبة: أي: يُبْساً يقال: عَتَا وعَسَا بمعنى واحد. قال الزجاج: كل شيء انتهى، فقد عَتَا يَعْتُو عِتِيّاً، وعُتُوّاً، وعُسُوّاً، وعُسِيّاً.
قوله تعالى: قالَ كَذلِكَ أي: الأمر كما قيل لك من هبة الولد على الكِبَر قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي: خَلْقُ يحيى عليَّ سَهْل. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم الجحدري: «هَيْن» باسكان الياء. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ أي: أوجدتُك. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «خَلَقْتُكَ» .
وما بعد هذا مفسّر في سورة آل عمران «٥» إِلى قوله: ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا قال الزجاج: «سَوِيّاً» منصوب على الحال، والمعنى: تُمْنَع عن الكلام وأنت سَوِيّ. قال ابن قتيبة: أي: سليماً غير أخرس.
قوله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها أمرأته مِنَ الْمِحْرابِ أي: من مصلّاه، وقد ذكرناه في سورة آل عمران «٦» . قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ فيه قولان: أحدهما:
أنه كتب إِليهم في كتاب، قاله ابن عباس. والثاني: أومأَ برأسه ويديه، قاله مجاهد. قوله تعالى: أَنْ سَبِّحُوا أي: صلُّوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا قد شرحناه في آل عمران «٧» ، والمعنى: أنه كان يخرج إِلى قومه فيأمرهم بالصلاة بُكْرة وعَشِيّاً، فلما حملت امرأته أمرهم بالصّلاة إشارة.
قوله تعالى: يا يَحْيى قال الزجاج: المعنى: فوهبنا له يحيى، وقلنا له: يا يحيى خُذِ الْكِتابَ يعني التوراة، وكان مأموراً بالتمسك بها. وقال ابن الأنباري: المعنى: اقبل كُتُبَ الله كلَّها إِيماناً بها واستعمالاً لأحكامها. وقد شرحنا في سورة البقرة «٨» : معنى قوله: بِقُوَّةٍ.
قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الفهم، قاله مجاهد. والثاني: اللُّب، قاله الحسن، وعكرمة. والثالث: العِلْم، قاله ابن السائب. والرابع: حفظ التوراة وعلْمها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد زدنا هذا شرحاً في سورة يوسف «٩» . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم، فهو ممن أُوتيَ الحُكم صبيّاً. فأما قوله: صَبِيًّا ففي سنّه يوم أوتي
Editor's text
وراثة النبوة، لم يقل وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي إذ لا يخاف الموالي على النبوة، ولقوله تعالى:
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، والصواب ما حكيناه عن الجمهور، أن جميع الأنبياء لا يورثون، والمراد بقصة زكريا وداود، وراثة النبوة، والله أعلم.
وذكر الحافظ في «الفتح» ١٢/ ٨- ٦ بعض كلام ابن عبد البر الذي تقدم آنفا، ثم ذكر ما ذهب إليه الحسن، وأنه قول إبراهيم بن إسماعيل بن علية من الفقهاء. قال: وأخرج الطبري عن أبي صالح في الآية، حكاية عن زكريا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ قال: العصبة، ومن قوله يَرِثُنِي يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وأخرج من طريق قتادة عن الحسن نحوه، لكن لم يذكر المال، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن رفعه «رحم الله أخي زكريا: ما كان عليه من يرث ماله» .
صحيح. أخرجه مسلم ٢٣٧٩ وأحمد ٢/ ٢٩٦- ٤٠٥ وابن ماجة ٢١٥٠ والطحاوي في «المشكل» ١/ ٤٢٩ وابن حبان ٥١٤٢، واستدركه الحاكم ٢/ ٥٩٠ كلهم من حديث أبي هريرة.
Footnotes are the editor's words, not the author's.