Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ ملكُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، هو الذي خلَقَهم، وهو الذي يَرْزُقُهم، وبيدِه حياتُهم وموتُهم.
وقولُه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وله الطاعةُ والإخلاصُ دائمًا ثابتًا واجبًا. يقالُ منه: وصَب الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا ووَصَبًا، كما قال الدِّيليُّ (١).
غيَّرَتْه الريحُ تَسْفِى به … وهَزِيمٌ رَعْدُه واصِبُ
فأما مِن الألم، فإنما يقالُ: وصِب الرجلُ يَوْصَبُ وَصَبًا، وذلك إذا أَعْيَا ومَلَّ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣):
لا يَغْمِزُ السَّاقَ مِن أَيْنٍ ولا وَصَبٍ … ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الواصبِ: فقال بعضُهم: معناه ما قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن الأغَرِّ بن الصَّبَّاحِ، عن خليفةَ بن حُصَيْنٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا (٤).
حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النُّعمانِ، عن
يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي وقتادة وغير واحد: أي: دائمًا (٣).
وقال مجاهد: أي خالصًا له (٥)، أي له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران] هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب؛ أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا وأخلصوا لي الطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو فإنكم عند الضرورات تلجأون إليه وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾
ص ٤/ ٦٨٧
[الإسراء: ٦٧]
وقال ههنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قيل: اللام ههنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل بمعنى قيضنا لهم ذلك ليكفروا؛ أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم وأنه المُسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة ذلك.
يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد بغير علم، وجعلوا للأوثان نصيبًا مما رزقهم الله فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبًا مع الله وفضلوها على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه وليقابلنَّهم عليه، وليجازينَّهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله فعبدوها معه، فأخطأوا خطأ كبيرًا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدًا ولا ولد له، ثم أعطوه أخسَّ القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم].
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، فإنه ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: كئيبًا من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن،
قوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ.
(٨٦٢) سبب نزولها: أن رجلاً من المسلمين دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
قال الزجاج: ذِكْر الاثنين توكيد، كما قال تعالى: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ.
قوله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً في المراد بالدِّين أربعة أقوال: أحدها: أنه الإِخلاص، قاله مجاهد. والثاني: العبادة، قاله سعيد بن جبير. والثالث: شهادة أن لا إِله إِلاّ الله، وإِقامة الحدود، والفرائض، قاله عكرمة. والرابع: الطاعة، قاله ابن قتيبة.
وفي معنى «واصباً» أربعة أقوال. أحدها: دائماً، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد والثوري واللغويون. قال أبو الأسود الدؤلي:
قال ابن قتيبة: معنى الكلام: أنه ليس من أحدٍ يُدَان له ويُطاع إِلاّ انقطع ذلك عنه بزوالٍ أو هَلَكةٍ، غيرَ الله ﷿، فإن الطاعة تدوم له. والثاني: واجباً، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث:
خالصاً، قاله الربيع بن أنس. والرابع: وله الدين موصباً، أي: متعباً، لأن الحق ثقيل، وهو كما تقول العرب: همٌّ ناصب، أي: مُنْصِبٌ، قال النابغة:
كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ
ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: له الدين، والطاعة، رضي العبد بما يُؤمَر به وسهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإِن كان فيه الوصب. والوصب: شدّة التّعب.
قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ قال الزجاج: المعنى: ما حل بكم من نعمة، من صحة في جسم، أو سَعَةٍ في رزق، أو متاعٍ من مال وولد فَمِنَ اللَّهِ وقرأ ابن أبي عبلة: «فَمَنُّ الله» بتشديد النون. قوله تعالى: ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ قال ابن عباس: يريد الأسقام، والأمراض، والحاجة. قوله تعالى: فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ قال الزجاج: «تجأرون» : ترفعون أصواتكم إِليه بالاستغاثة، يقال: جأر يجأر جُؤاراً، والأصوات مبْنية على «فُعَالٍ» و «فَعِيل» ، فأما «فُعَال» فنحو «الصُّرَاخ» و «الخُوَار» ، وأما «الفَعِيل» فنحو «العويل» و «الزَّئير» ، والفُعَال أكثر. قوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ قال ابن عباس: يريد أهل النفاق. قال ابن السائب: يعني الكفار. قوله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ قال الزجاج: المعنى:
ليكفروا بأنّا أنعمنا عليهم، فجعلوا نِعَمَنا سبباً إِلى الكفر، وهو كقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ إلى قوله: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ «١» ، ويجوز أن يكون «ليكفروا» ، أي: ليجحدوا نعمة الله في ذلك. قوله تعالى: فَتَمَتَّعُوا تهدّد، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة أمركم.
قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ يعني: الأوثان. وفي الذين لا يعلمون قولان: أحدهما: أنهم الجاعلون، وهم المشركون، والمعنى: لما لا يعلمون لها ضراً ولا نفعاً فمفعول العلم محذوف، وتقديره: ما قلنا، هذا قول مجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الأصنام التي لا تعلم شيئاً، وليس لها حس ولا معرفة، وإِنما قال: يعلمون، لأنهم لمَّا نحلوها الفهم، أجراها مجرى مَنْ يعقل على زعمهم، قاله جماعة من أهل المعاني، قال المفسرون: وهؤلاء مشركو العرب جعلوا لأوثانهم جزءاً من أموالهم، كالبَحِيرَةِ والسائِبَةِ وغير ذلك مما شرحناه في الأنعام «٢» .
Editor's text
عزاه المصنف لمقاتل، وهو ابن سليمان حيث أطلق، وهو ممن يضع الحديث.
- وقد ورد نحو هذا في آخر سورة الإسراء، وسيأتي.
Footnotes are the editor's words, not the author's.