تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: قد مكَر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأممِ التي سلَفت، بأنبياء الله ورسله، ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فلله أسباب المكرِ جميعًا، وبيده وإليه، لا يَضُرُّ مكرُ مَن مَكَر منهم أحدًا، إلا مَن أراد اللَّهُ ضُرَّه به. يقولُ: فلم يَضُرَّ الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يَضُرَّه ذلك، وإنما ضَرُّوا به أنفسهم؛ لأنهم أسْخَطوا ربَّهم بذلك على أنفسهم، حتى أهلَكهم ونجَّى رسله. يقولُ: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يَمكرون بك يا محمد، والله مُنجِّيك من مكرهم، ومُلْحِقٌ ضُرَّ مكرهم بهم دونَك.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾. يقولُ: يَعْلَمُ ربُّك يا محمد ما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومك، وما يَسْعَون (٢) فيه من المكرِ بك، ويَعْلَمُ (٣) جميعَ أعمال الخلق كلهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. يقول: وسيَعْلَمون إذا قدموا على ربِّهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة، حينَ يَدْخُلون النار ويَدْخُلُ المؤمنون بالله ورسوله الجنة.
[— بداية ص ١٣/ ٥٨١، page_id=9299 —]
واختَلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ المدينة وبعضُ أهل البصرةِ: (وَسَيَعْلَمُ الكافرُ). على التوحيد (١). وأما قرأة الكوفة فإنهم قرءوه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾. على الجمع (٢).
والصواب من القراءة في ذلك (٣) القراءةُ على الجمع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾؛ لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأُتْبِع بعده الخبر عنهم، وذلك قوله: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. وبعده قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.
وقد ذُكر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَسَيَعْلَم الكافِرُون) (٤)، وفي قراءةِ أُبيٍّ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٥). وذلك كلُّه دليلٌ على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ مِن قومك يا محمد: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾؛ تكذيبًا منهم لك، وجحودا لنبوّتك، فقلْ لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾. يقولُ: قُلْ حسبيَ اللَّهُ، ﴿شَهِيدًا﴾. يعني شاهدًا، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: عليَّ وعليكم، بصدقى وكذبِكم، ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾