تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: وإما نُرِيَنَّك يا محمد في حياتك بعضَ الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم، أو نَتوفَّينَّك قبل أن نُرِيَك ذلك، فإنما عليك أن تَنتهى إلى طاعة ربِّك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته، لا طلبُ صلاحِهم ولا فسادِهم، وعلينا محاسبتهم، فمجازاتهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه أو لم يرَ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ، الذين يَسْأَلُون محمدًا الآياتِ، أَنا نَأْتِي الأَرضَ، فنَفْتَحُها له أرضًا بعد أرضٍ، حوالَيّ أرضِهم؟ أفلا يخافون أن نَفْتَح له أرضهم، كما فتحنا له غيرها؟
ذكر من قال ذلك
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن الصبّاح، قال: ثنا هشيم، عن حصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: أو لم يَرَوا أنا نَفْتَحُ لمحمد الأرض بعد الأرض (١)؟
[— بداية ص ١٣/ ٥٧٥، page_id=9293 —]
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. يَعْنى بذلك ما فتَح الله على محمدٍ. يقولُ: فذلك نُقصانُها (١).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمة بن نُبَيطٍ، عن الضحاك، قال: ما تَغَلَّبَ (٢) عليه من أرض العدوِّ (٣).
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: كان الحسنُ يقولُ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: هو (٤) ظهور المسلمين على المشركين (٥).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعت الضحاك [يقولُ في] (٦) قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا﴾: يعنى أن نبيَّ الله ﷺ كان يُنْتَقَصُ له ما حولَه مِن الأَرْضِين، يَنْظُرون إلى ذلك فلا يَعْتَبِرون، قال الله في سورةِ "الأنبياءِ": ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ تَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]: بل نبيُّ الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون (٧).