دروس الشيخ عائض القرني
دليل أبي الوليد الباجي على أن النبي كان يكتب
أما الذي أثار أن النبي ﷺ يكتب فهو أبو الوليد الباجي المالكي الأندلسي، وألف في ذلك كتاباً، وادعى أن الرسول ﷺ كتب، والسبب في ذلك أن الرسول ﷺ كان في معركة الحديبية يفاوض كفار قريش، فلما أراد ﷺ أن يفتح مكة، تمركز بجيشه العرمرم في الحديبية، فسمعت قريش أن الرسول ﷺ يريد أن يفتح مكة غصباً، فحلفوا باللات والعزى لا يفتحها، فخرجوا بسيوفهم، وقالوا: قبل أن نخرج نرسل إليه رجلاً يفاوضه، فأرسلوا مكرز بن حفص، فلما أتاه قال ﷺ: ﴿رجل فاجر﴾ فنزل فما تم الصلح، فأتى الحليس بن علقمة، فقال ﷺ: ﴿هذا رجل من أناس يعظمون النسك أو الهدي فابعثوا الهدي أمامه﴾ فبعثوا الغنم التي يريد ﷺ أن يهديها للبيت، فلما رآها ذاك قال: ما كان لهؤلاء أن يُصدون عن البيت وعاد.
فأرسلوا سهيل بن عمرو خطيب العرب، فوفد عند الرسول ﷺ، فلما رآه ﷺ، قال: ﴿قد سهل لكم أمركم﴾.
وقبل أن يأتي سهيل أرسل الرسول صلى الله عليه مفوضاً، قال لـ عمر: يا عمر! قم واذهب إلى هؤلاء النفر ففاوضهم على الصلح، فقال عمر: يا رسول الله! تعلم أني من أعدى قريش إلى قريش، أي: أكره رجل في قريش إلى قريش.
ولذلك يقول أبو سفيان لما عاد إليه: وجدت محمداً ﷺ قريباً، وأبا بكر وعلياً، وأما أعدى العدو فهو عمر، والله لو لم يجد إلا الذر ليقاتلكم به لقاتلكم بالذر.
فقال عمر: يا رسول الله: أنا ليس عندي أسرة تحميني -هو من بني عدي بن كعب- عشيرته تأتي في المرتبة الخامسة أو السادسة بعد بني هاشم، وبني أمية بن عبد شمس، وبعد بني مخزوم، وبني سهم، لكن أرسل عثمان يا رسول الله، فقال ﷺ: عليَّ بـ عثمان فأرسل عثمان.
فلما وصل عثمان أتاه أخوه أو قريب له، وقال: لا تذهب حتى نغديك، فأكرموه، فلما حبسوه، أتت الشائعة بين المسلمين قالوا: قتل عثمان، فانتفض ﷺ وغضب، وجمع الناس، وبايعهم على الموت تحت الشجرة، فبايعوه ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] إلا رجلاً واحداً من المنافقين خرج معهم من المدينة في ظاهره أنه مسلم، فلما أراد ﷺ أن يبايعه، قال: أما أنا فوالله -يقول للمسلمين- لأن ألقى جملي الأحمر خيرٌ من أن أبايع محمداً، فقال ﷺ: ﴿كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر﴾ واسمه الجد بن قيس، فذهبوا إليه، فقالوا: اذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: ألقى جملي قبل أن يستغفر لي، قال ﷾: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥].
وأتى سهيل بن عمرو فقال ﷺ: ﴿قد سهل لكم أمركم﴾ فنزل وجلس، وأخرج ﷺ الصحابة يحضرون المفاوضة، بين الرسول ﷺ وسهيل بن عمرو، فأخذ سهيل بن عمرو بلحية رسول الله ﷺ يمسها ويفاوضه، فقال المغيرة وكان مدججاً بالسلاح على رأس رسول الله ﷺ: اترك يدك فوالله لأن مددتها لا تعود إليك أبداً.
فأخذ سهيل بن عمرو يتكلم مع رسول الله ﷺ، فقال سهيل بن عمرو: اكتب بيننا وبينك كتاباً على الصلح، فقال رسول الله ﷺ: أين علي بن أبي طالب؟ فأتى، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، لا نعرف إلا رحمان اليمامة، اكتب باسمك اللهم، ورحمان اليمامة قيل: رئي من الجن.
وقلت لـ رحمان اليمامة عالجنْ مصابي فإني بالمصاب عليل
سمته العرب رحماناً، ليس مسيلمة؛ لأن مسيلمة ما أتى إلا متأخراً، فقال ﷺ لـ علي: ﴿اكتب باسمك اللهم﴾ ثم قال ﷺ لـ علي، ﴿اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله﴾ فكتب، قال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله، قال ﷺ: ﴿أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله﴾ اكتب يا علي وامح، قال علي: والله لا أمحو اسمك من الصحيفة أبداً، فأخذها ﷺ، فتفل على الكتابة، ومحاها ﷺ؛ ثم أعاد الكتاب إلى علي، فقال أبو الوليد الباجي: ما دام أنه ﷺ غيَّر اسمه، فقد عرف مكان (رسول الله) في الصحيفة، فكيف عرفه وميزه؟ وليس في الحديث أن علياً أشار له، وقال: (هذا رسول الله، وهذا باسمك اللهم) قال ابن حجر: والذهبي وابن تيمية وهو الصحيح: الرجل الأمي من كثرة الكتابة يعرف اسمه، ولذلك بعض الناس الآن يعرف أن اسمه محمد مكتوب، من كثرة ما رأى اسمه، وبعضهم يوقع اسمه وهو لا يقرأ ولا يكتب، فالرسول ﷺ رأى موقعها من الكلام فمحاها.
فالشاهد أن الرسول ﷺ لا قرأ ولا كتب، وإنما محا ما عرف أنه رسول الله ﷺ في الرسالة.