Skip to content

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين شدة الإخلاص وصعوبته

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Printed page ٣٦٣

ومن حكمة الله تعالى أن جعل قلوب العباد ميدان حرب وصراع، فالقلب يتعاوره ملك وشيطان، هذا يلمّ به مرة، وهذا يلمّ به أخرى.

يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ (١).

ووضّح الرسول ﷺ ذلك، ففي الحديث: "إن للْمَلِك بِقَلْب ابْن آدَمَ لَمَّةً، ولِلشيْطَانِ لَمَّة، فَلَمَّة الْمَلَك إيعَادٌ بِالْخَيْر، وَتَصْديقٌ بالْوَعْدِ، وَلمَة الشيْطَانِ إيعَادٌ بالشر، وتَكْذِيبٌ بِالْمَوْعِدِ، ثم قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).

يقول ابن القيم معقبا على الحديث: "فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه كله نهارا، وآخر بضده" (٣).

وقال الحسن البصريّ: "وإنَّما هما همّان يجولان في القلب: همٌّ من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدا وقف عند همّه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوّه جاهده ... " (٤).

والشيطان إنّما يصارع ليملك القلب ويستولي عليه، فيفسده، وبفساده يفسد الجسد كله، يقول الرسول ﷺ: "أَلَا وإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صلَحتْ صَلَحَ الْجَسدُ كله، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَد كلهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْب" (٥)، ويقول: "إنّمَا الأعْمَال كَالْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَسْفَله طَاب أَعْلاه، وإِذَا فَسَدَ أسْفله فَسَدَ أعْلاه" (٦).