Skip to content

بسط القول والإسهاب في بيان حكم مودة المؤمن للكافر بيان خلاف أهل العلم في حكم مودة المؤمن للكافر الفريق الأول

بسط القول والإسهاب في بيان حكم مودة المؤمن للكافر

أبو فيصل البدراني

Printed page ١٥

ولقد رأينا من فريق يدعي ... الإسلام شركاً ظاهر التبيان

جعلوا له شركاء والوهم ... وسووهم به في الحب لا السلطان

وقال أصحاب هذا المذهب أيضاً تعليقاً على بعض الآيات والأحاديث التي يحتج بها المُخالف لهم مثل قوله تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون) ومثل حديث رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسولَ الله ﷺ، قلت: إن أمي قَدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك. ومثل قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وغير ذلك بأن البر والإحسان للكفار لا يستلزم المحبة والمودة كما أن البغض والكراهية لا تستلزم عدم البر والإحسان وقالوا أن الصلة والمكافأة الدنيوية وحسن المعاملة شيء والمودة شيء آخر, وقالوا أن البر هو إيصال الخير إلى الغير مع قطع النظر عن محبتك له من عدمها , واستدلوا بما ورد في صحيح البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ "بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِىٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِى إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ".

قال الحافظ ابن حجر في الفتح) ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .... الآية)، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل والله أعلم ا. هـ وقالوا أيضاً لا منافاة بين بغضهم في الله والإحسان إليهم وصلتهم في ذات الوقت، فإن لكلٍ ما يقتضيه، فالمقتضي للإحسان هو أمر الله بذلك والسبب الذي يوجب ذلك، كالجوار والقرابة، والكفر والمعصية مقتضيان للبغض والكراهية وقال صاحب أضواء البيان الإمام الشنقيطي ﵀ في ذات المسألة (قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾.

هذه الآية الكريمة تدل على الأمر ببر الوالدين الكافرين وقد جاءت آية أخرى يُفهم منها خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ الآية. ثم نص على دخول الآباء في هذا بقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُم﴾ والذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنه لا معارضة بين الآيتين , ووجه الجمع بينهما أن المصاحبة بالمعروف أعم من الموادة لأن الإنسان يمكنه إسداء المعروف لمن يوده ومن لا يوده والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم فكأن الله حذَّر من الموادة المشعرة بالمحبة والموالاة بالباطن لجميع الكفار يدخل في ذلك الآباء وغيرهم وأمر الإنسان بأن لا يفعل لوالديه إلا المعروف وفعل المعروف لا يستلزم المودة لأن المودة من أفعال القلوب لا من أفعال الجوارح ومما يدل لذلك إذنه ﷺ لأسماء بنت أبي بكر الصديق أن تصل أمها وهي كافرة وقال بعض العلماء أن قصتها سبب لنزول قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي