الإتقان في ضوابط تسجيل القرآن
إنما عظُم فيهم من جمع بعض سور القرآن، لما كان من شأنهم العمل بالقرآن، ولذا يقول أنس ﵁: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا". (١)، يعني: عظُم شأنه وارتفع قدره فينا، لعمله بمقتضى ما حفظ.
ويؤكد ابن عمر ﵄ هذا المعنى فيقول:
كان الفاضل من أصحاب رسول الله في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. (٢)
وتحقيقًا لهذا المطلب الأسنى تراهم يتأخرون جدًا في حفظ السورة من القرآن، و ليس هذا من باب العجز عن الحفظ أو قصورًا في ذلك، وإنما لانشغالهم بالعمل بما دلت عليه آيات تلك السورة، فمن ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: تعلم عمر ﵁ البقرة في اثنتي عشرة سنة، لما ختمها نحر جزورًا. (٣)
فهذا الأثر يبين أن طول مكث عمر ﵁ في تعلم سورة البقرة ليس من باب العجز أو الكسل أو التراخي-وحاشاه- ومن هو في فضله ومكانته وسبقه في كل خير وبر- وإنما لأن العلم بالقرآن عندهم اقترن بالعمل به.
وها هو ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ يؤكد نفس المعنى فيقول:
إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به. (٤)