Skip to content

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني أولا: إيجاد الأمة القوية

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Printed page ٦٩٢

لقد اهتم النبي ﷺ بعد الهجرة بتنظيم الأمة فآخى بين رعاياها، وجعل الأخوة حقيقة مستمرة على الزمن كله لتكوين القاعدة الصلبة المطلوبة.

إن أخوة المؤمنين لم تكن من أجل الاشتراك في نشاط ما وترك ما عداه، أو التوحيد في الولاء لفرد وفقط, وإنما كانت الأخوة في الله، وتحت وشيجة العقيدة, إنها ليست علاقات الدم، ولا علاقات الأرض، ولا علاقات الجنس، ولا علاقات التاريخ، ولا علاقات اللغة، ولا علاقات الاقتصاد، ليست هي القرابة، وليست هي الوطنية، وليست هي القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية.

إنما هي علاقة العقيدة الإيمانية التي تجمع بين الراعي والرعية في اتجاه واحد, وتأخذ روابطها من الإسلام وتجعل كل فرد مسئولا عن حقوق هذه الأخوة أمام الله تعالى، وأمام الناس أجمعين في إيثار خال من الأنانية، وفي خلق بعيد عن الفوضى والظلم.

ولهذا وصف الله ﷾ هذا الجيل الأول الذي طبق الأخوة الإيمانية بكل تجرد وصدق بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.

يروي الإمام أحمد عن أنس وصفًا لآثار هذه المؤاخاة على لسان المهاجرين أنفسهم حيث قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير من هؤلاء، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال ﷺ: "لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" ٢.

وهكذا آخى رسول الله ﷺ بين أعضاء هذا التجمع الوليد.. أي أنه حول هؤلاء الأفراد المفككين إلى مجتمع متكافل، تكون رابطة العقيدة فيه مقدمة على رابطة الدم والنسب،