Skip to content

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Printed page ١/ ٣٠٩

حول مصحف عبد الله بن مسعود

المجيب د. ناصر بن محمد الماجد

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة

التاريخ ٢٤/٢/١٤٢٥هـ

السؤال

السلام عليكم

سمعت أن عبد الله بن مسعود ﵁ لم يدخل سورتي الفلق والناس في مصحفه، ما سبب ذلك؟.

الجواب

﷽

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ما أشار إليه السائل الكريم عن ابن مسعود ﵁ صحيح، إذ روي ذلك عنه بأسانيد حسان، فقد أخرج ابن حبان (٧٩٧) وغيره عن زر بن حبيش قال: لقيت أبي بن كعب ﵁ فقلت له: "إن ابن مسعود ﵁ كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول: إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه ... الحديث"، وأخرج الطبراني في الكبير (٩١٥١) عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنما هما معوذتان تعوذ بهما النبي ﷺ "قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" وكان عبد الله ﵁ يمحوهما من المصحف. وأخرج الطبراني في الكبير (٩١٤٨) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رأيت عبد الله ﵁ يحك المعوذتين، ويقول: لم تزيدون ما ليس فيه، وفي لفظ عنده: ليستا من كتاب الله.

وقد اختلف الأئمة قديما في هذا المروي عن ابن مسعود ﵁ فمنهم من رد الرواية عنه وضعفها بل وبالغ في إنكارها كصنيع ابن حزم ﵀، ومنهم من صحح الرواية واعتذر عنها بما لا يخلو من ضعف، كصنيع الباقلاني ﵀، وبكل حال فإن هذا المروي عن ابن مسعود ﵁ اجتهاد منه، بحسب ما انتهى إليه علمه، إذ ظن أنهما دعاء كان النبي- ﷺ يتعوذ بهما، يدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير (٩١٥٢) عن علقمة عن عبد الله ﵁ أنه كان يحك المعوذتين من المصاحف، ويقول: (إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما ولم يكن يقرأ بهما) وهذا منه ﵁ اجتهاد بحسب ما انتهى إليه علمه، وهو بشر غير معصوم يصيب ويخطئ، كما يصيب البشر ويخطئون، ولا عصمة لقول أحد بعد النبي ﷺ، ولذا رأينا الصحابة ﵃ لم يقروه على قوله بل خالفوه، وأجمعوا على إثبات المعوذتين في المصحف الإمام وفي سائر المصاحف التي أُرسلت إلى الأمصار، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنه تابع ابن مسعود ﵁ على قوله هذا، بل رأينا أبي بن كعب ﵁ يخالفه في ذلك استنادا إلى ما ثبت عن النبي ﷺ فقد أخرج أحمد (٢١١٨٦) وغيره بسند صحيح عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب ﵁: إن ابن مسعود ﵁ كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه! فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: "قل أعوذ برب الفلق" فقلتها، فقال: "قل أعوذ برب الناس" فقلتها، فنحن نقول ما قال النبي ﷺ ومن المتقرر؛ أن من حفظ وعلم، حجة على من لم يحفظ ولم يعلم، فابن مسعود ﵁ لم يحفظ ولم يعلم هاتين السورتين، وغيره من سائر الصحابة ﵃ علمها وحفظها فالحجة لهم عليه، وكذلك لم ينقل عن أحد من تلاميذ ابن مسعود ﵁ مع كثرتهم وجلالة قدرهم ـ أنه تابعه على قوله هذا، بل ثبت عن بعضهم مخالفته صراحة فقد روى ابن أبي شيبة (٣٠١٩٧) عن النخعي قال: قلت للأسود بن يزيد ـ وكان من أعلم أصحاب ابن مسعود ﵁ من القرآن هما؟ قال: نعم، يعني المعوذتين. وفوق هذا أن إجماع الأمة كلها من عهد الصحابة ﵃ إلى يومنا على إثبات هاتين السورتين أبلغ دليل على خطأ هذا القول، ومع هذا فقد ثبتت أحاديث عن النبي ﷺ في المعوذتين خصوصا تدل على أنهما من القرآن الكريم، وأنهما أنزلتا كما أنزل القرآن الكريم، فقد أخرج النسائي (٩٥٣) وغيره بسند صحيح عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أنزل علي آيات الليلة لم يُر مثلهن قط "قل أعوذ برب الفلق" و "قل أعوذ برب الناس"، وأخرج أحمد (١٧٣٤١) وغيره بسند صحيح عنه أيضا أنه قال اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب فوضعت يدي على قدمه فقلت أقرئني سورة هود أو سورة يوسف فقال: "لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من "قل أعوذ برب الفلق" "قل أعوذ برب الناس". فالحمد لله الذي حفظ كتابه من التبديل وصانه من التغيير، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.