مجلة البحوث الإسلامية
وقد حفظ أصحاب رسول الله ﷺ سنته القولية والفعلية وبلغوها من بعدهم من التابعين ثم بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط ملعومة بينهم يعلم بها صحيح السنة من ضعيفها وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما وحفظوها حفظا تاما كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وتحريف المبطلين تحقيقا لما دل عليه قوله سبحانه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) ولا شك أن سنة رسول الله ﷺ وحي منزل فقد حفظها الله كما حفظ كتابه وقيض الله لها علماء نقادا، ينفون عنها تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون لأن الله سبحانه جعلها تفسيرا لكتابه الكريم وبيانا لما أجمل فيه من الأحكام وضمنها أحكاما أخرى لم ينص عليها الكتاب العزيز، كتفصيل أحكام الرضاع وبعض أحكام المواريث وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها إلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنة الصحيحة ولم تذكر في كتاب الله العزيز.
" ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها ": في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال «لما توفي رسول الله ﷺ وارتد من ارتد من العرب قال أبو بكر الصديق ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فقال له عمر ﵁ كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "، فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها فقال عمر ﵁: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (٢)»، وقد تابعة الصحابة ﵃ على ذلك فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إلى الإسلام وقتلوا من أصر على ردته وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنة ووجوب العمل بها «وجاءت الجدة إلى الصديق ﵁ تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء وسأسأل الناس ثم سأل ﵁ الصحابة فشهد عنده بعضهم بأن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس فقضى لها بذلك (٣)» وكان عمر ﵁ يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله فإن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ ولما أشكل عليه حكم إملاص المرأة وهو إسقاطها جنينا ميتا بسبب تعدي أحد عليها سأل الصحابة ﵃ عن ذلك فشهد عنده محمد بن سلمة والمغيرة بن شعبة ﵄ بأن النبي ﷺ قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة فقضى بذلك ﵁. ولما أشكل على عثمان ﵁ حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله قضى