Skip to content

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح [باب الشفقة والرحمة على الخلق]

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Printed page ٨/ ٣١١٣

٤٩٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

ــ

٤٩٦٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» ) : لِأَنَّهُمْ مَظَاهِرُهُ، وَمُتَخَلِّقُونَ بِأَخْلَاقِهِ (ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَتَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ; لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَيَرْحَمَ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ وَالنَّاطِقَ وَالْبُهْمَ وَالْوُحُوشَ وَالطَّيْرَ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِيرَادَ (مَنْ) لِتَغْلِيبِ ذَوِي الْعُقُولِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: (يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) : وَهُوَ مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: مِنْ مُلْكِهِ الْوَاسِعِ وَقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ فِي السَّمَاءِ، أَوْ مَنْ أَمْرُهُ نَافِذٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَخَصَّ السَّمَاءَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا أَوْ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُفْهَمُ بِالْأَوْلَى، أَوْ لِأَنَّ السَّمَاءَ مُحِيطَةٌ بِهَا وَهِيَ كَحَلَقَةٍ بِجَنْبِهَا فِي وَسَطِهَا فَلَا تُذْكَرُ مَعَهَا ; لِحَقَارَتِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ سَكَنَ فِيهَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينِ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] الْآيَةَ.

قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَيِ: ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ شَفَقَةً يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ تَفَضُّلًا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ مُلْكُهُ وَقُدْرَتُهُ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى السَّمَاءِ ; لِأَنَّهَا أَوْسَعُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ، أَوْ لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَكَانُ الْأَرْوَاحِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ أَيْ: يَحْفَظْكُمُ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَالْمُؤْذِيَاتِ، بِأَمْرِ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُوا لَكُمُ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ. قُلْتُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُدَارُ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ صَدْرُ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ رَحْمَةَ الْمَلَائِكَةِ فَرْعُ رَحْمَتِهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَزَادَ فِيهِ: " «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ. وَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الْمُسَلْسَلُ بِالْأَوَّلِيَّةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَبَيَّنَّا طَرِيقَهُ فِي بَحْثِ الْمُسَلْسَلِ مِنْ شَرْحِنَا عَلَى شَرْحِ النُّخْبَةِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ: وَالرَّحِمُ إِلَخْ.