Skip to content

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين القول بجواز الاستثناء في الإيمان وعدم وجوبه

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Printed page ٤٦/ ٥

القول بجواز الاستثناء في الإيمان وعدم وجوبه

الذين يجوزون الاستثناء ولا يوجبونه، أو يجوزونه في بعض الحالات، يعرفون بأنهم الذين يستثنون من غير شك ومن غير توقف، هؤلاء يقولون: إن الله تعالى قد ذكر الاستثناء للتبرك، وذكر الاستثناء في الأمور التي لا يشك فيها، فروى ﷺ عن سليمان نبي الله أنه لم يستثنِ، فحرم ما طلبه أو ما أمله، وذلك لما قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل امرأة تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله.

فقيل له: قل: إن شاء الله.

فلم يقل.

فقال ﷺ: لو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون) ، وما ولدت منهن إلا واحدة نصف إنسان؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله.

وكذلك ذكروا أنه ﷺ جاءته قريش وقالوا له: أخبرنا عن أمور نسألك عنها: أخبرنا عن فتية في سالف الزمان، وكان لهم حديث عجيب -يعنون أصحاب الكهف- وأخبرنا عن رجل طواف، طاف مشارق الأرض ومغاربها -يعنون ذا القرنين - وأخبرنا عن الروح.

فقال: سأخبركم عنها غداً.

ولم يقل: إن شاء الله.

فعاتبه الله، وقال له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] فتأخر عنه الوحي خمسة عشر يوماً لأنه لم يقل: إن شاء الله، فدل على أن الاستثناء يحصل به تحقيق المطلب.

وكذلك عاتب الله أصحاب الجنة الذين ذكروا في سورة القلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] جزموا بقولهم: والله! لنصرمنها في الصباح، ولم يقولوا: إن شاء الله، لم يستثنوا؛ فكانت العاقبة أن حرموا منها: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] حريق أو رياح، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠] جزاء لهم لأنهم لم يقولوا: إن شاء الله، وجزاء لهم لما توعدوا ألا يدخلها عليهم مسكين.

وبكل حال: فالاستثناء جائز إذا لم يكن عن شك، يقول إنسان: أنا مؤمن إن شاء الله.

ولا يقصد بذلك الشك والتوقف، ويقول: أنا سوف أصلي إن شاء الله -ولو كان جازماً- وسوف أصوم إن شاء الله -ولو كان جازماً- ولو لم يكن بذلك متردداً، ولا شاكاً فيما هو جازم عليه.