شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين
وضوح كلام النبي ﷺ في الصفات
وإذا عرفنا ذلك فإن كلام النبي ﷺ أيضاً فصيح، بعثه الله باللغة الفصحى، وهو أفصح من نطق بالضاد وأفصح العرب، وكلامه أيضاً في غاية الوضوح وفي غاية الفصاحة وفي غاية البيان.
فمثلاً: قوله ﷺ في حديث جرير: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر -أو كما ترون هذا القمر- لا تضامون في رؤيته) .
ويقول في حديث آخر: (هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟! هل تضارُّون في رؤية الشمس صحواً ليس دونها سحاب؟! فإنكم ترونه كذلك) ، أليس هذا واضحاً في أن المراد النظر والمعاينة بالعين؟ فجاء الخلف وسلطوا عليه التأويل وقالوا: المراد ألم تعلم، فالمراد العلم، فقوله: (فإنكم سترون ربكم) يعني: ستعلمون ربكم.
هم يعلمونه في الدنيا، فكيف قالوا ستعلمون، وكأنهم ما علموا؟! إذ (السين) للاستقبال، ولو كان هذا مراده لقالوا: نحن نعلم ربنا، ونحن نعلم أنه ربنا.
ولكنه قال: (سترون ربكم) يعني: يوم القيامة في الآخرة وفي الجنة.
ثم لماذا قال: (كما ترون القمر) ؟! هل هم كانوا يرون القمر في تلك الساعة؟! وإذا كانوا يرونه هل يشكون في أن هذا هو القمر؟! وكيف يقاس على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل:١] يعني: ألم تعلم؟! أو: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم:٢٤] يعني: ألم تعلم؟! وكذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا﴾ [المجادلة:٨] ؟ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة:٧] ؟! وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [الحشر:١١] ؟! فالمراد هنا الرؤية العلمية، يعني: ألم ترَ بقلبك؟! فلا مناسبة بين هذه وبين قوله: (سترون ربكم) ، فهنا دخلت السين، يعني أنه في المستقبل، وهنا أكد بقوله: (كما ترون القمر ليلة البدر) ، (كما ترون هذا القمر لا تضامون) أي: لا تشكون في رؤيته.
وبينهما فرق، فعرف بذلك أن هذه تأويلات بعيدة لا يحتاج إليها ولا يصدقها عاقل.