Skip to content

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Printed page ١٩/ ٧

الرد على المعتزلة في تأويل آية سورة القيامة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عُدِّي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، وإن عُدِّي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ، وإن عُدِّي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩] ، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر.

وروي ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من البهاء والحسن.

﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: في وجه الله ﷿ .

عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنُضِّرت بنوره.

وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿.

وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من النعيم ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى ربها نظراً.

ثم حكى عن ابن عباس مثله.

وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث.

وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ﷿.

وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالحسنى: الجنة.

والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم.

فسرها بذلك رسول الله والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: (قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه.

فيقولون: وما هو؟! ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويُنجِنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة) .

ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أُخَر معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله ﷿.

وكذلك فسرها الصحابة ﵃، روى ابن جرير ذلك عن جماعة، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس ﵃] .

هنا ثلاث آيات من كتاب الله تعالى دالة على الرؤية أو مُفَسَّرة بها.

فالآية الأولى هي آية سورة القيامة قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] .

وسبق ذكر تفاسير الصحابة والتابعين أنهم قالوا: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى وجه ربها.

أو: تنظر إلى ربها صرح بذلك عدد من الصحابة كما مر، والمعتزلة حرفوا النظر فجعلوه الانتظار، أو حرفوا كلمة (إلى) فجعلوها النعمة، أو أضمروا مضافاً، أي: إلى نعمة ربها أو إلى ثواب ربها.

إن كلمة النظر تارةً تُعدَّى بنفسها، وتارةً تُعدَّى بحرف (في) وتارةً تُعدَّى بحرف (إلى) .

فتعديتها بنفسها في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] فـ (انظرونا) هنا ليس معناه النظر بالعين، وإنما معناه: انتظروا.

أي: أمهلونا حتى نقتبس من نوركم، لأنه عُدِّي بنفسه.

وذكر تعديته بـ (في) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] فالنظر هنا بمعنى الاعتبار، أي: ينظروا في الملكوت نَظَرَ اعتبار وتأمل ليستدلوا به على قدرة الخالق.

فإذا عدي بـ (في) فلا تحتمل إلا النظر بالاعتبار، وأما هنا فإن النظر مُعدَّىً بـ (إلى) ، فهو مثل قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام:٩٩] (انظروا) يعني: بأعينكم.

(إلى ثمره) ، ولا تحتمل غير المعاينة؟! كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] يعني أنهم ينظرون إليها معاينةً.

فكذلك قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] لا يحتمل إلا أن النظر هو المعاينة.

فتبيَّن بذلك صراحة الآية في دلالتها على النظر إلى الله ﷾.