شرح عمدة الأحكام لابن جبرين
الأحكام المستفادة من الحديث
ومن هذا الحديث أخذ العلماء استحباب الإشهاد على العطايا والهدايا ونحوها، وذلك لتثبت؛ ما دام أنه ذهب ليشهد النبي ﷺ، وأخذوا منه إشهاد ذوي الفضل وذوي العلم وذوي المنزلة الرفيعة، حيث لم ترض عمرة بنت رواحة إلا بشهادة النبي ﷺ.
ويؤخذ منه أن العطية تثبت بالإقرار وبالإشهاد، وأخذوا منه أن عطية الوالد لولده تملك بالقبض إذا تمت شروطها، أو تملك بعد الهبة إذا تمكن من قبضها واستلامها.
وأخذوا منه: وجوب التسوية بين الأولاد لقوله ﷺ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ، ولقد كان السلف والعلماء ﵏ يعملون بهذا بقدر ما يستطيعون من العدل بين أولادهم، حتى كانوا يسوون بينهم في القبل، إذا قبّل هذا رحمةً به قبل البقية ذكوراً وإناثاً من باب العدل ومن باب التسوية، فضلاً عن التسوية في الأمور الظاهرة، فإذا اشترى لهذا ثوباً اشترى للثاني وللثالث مثله، وكذلك إذا اشترى لهذا طعاماً أو فاكهة أو أطعمه سوى به الآخرين وأعطاهم مثلما أعطاه.
كل ذلك حرصاً على العدل الذي أمر به النبي ﷺ، وحرصاً -أيضاً- على البر، وذلك لأنه علل بقوله: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم) ، فإذاً لا شك أنه يحب أن يبره هذا ويبره الثاني ويبره الثالث، ويكونوا كلهم بارين بأبيهم، ولا يرضى أن يكون هذا براً وهذا عاقاً، وهذا مطيعاً وهذا عاصياً، بل يحب أن يكونوا كلهم بررة له، هذا هو الذي يرضى به، فهذا معنى قوله: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء) .
ذكر العلماء أنه لا يجوز لأحد الرجوع في عطيته إلا الأب وقالوا: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته إلا الأب فيما وهب لأولاده أو لولده، أخذاً من هذا الحديث.