Skip to content

شرح بلوغ المرام لعطية سالم معنى الغرة والتحجيل

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Printed page ١٧/ ٣

معنى الغرة والتحجيل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] .

هذا الحديث لو أن إنساناً تتبع طرقه واحتواه من جميع جوانبه ودلالاته لخرج برسالة كبيرة، وأوسع من رأيتُ ممن تكلم عليه ابن عبد البر ﵀ في الجزء العشرين في كلامه على حديث الموطأ بهذا المعنى.

والمؤلف ﵀ ساق الحديث هنا تتمة لأسباغ الوضوء، وليبين لنا أن إسباغ الوضوء يكون معه غرة وتحجيل.

قوله ﷺ: (إن أمتي يأتون) : (إن) هنا أداة تأكيد، وأداة التأكيد لا تأتي ابتداءً إلا إذا شمت رائحة الإنكار، ولا تُشمُّ رائحة الإنكار إلا عن خبر متقدم، فهل النبي ﷺ جاء ابتداءً وقال: (إن أمتي يأتون) ، أم قال ذلك جواباً في سؤال كان موضع التساؤل؟ ولفظ الحديث أولاً: (إن أمتي) ، والأمة المحمدية هي خاتمة الأمم، وهي قسمان -كما يقولون-: - أمة الدعوة، وأمة الإجابة.

والمراد هنا: أمة الإجابة.

وقوله ﷺ: (يأتون يوم القيامة) أي: بعد البعث يأتون مع سائر الأمم.

وقوله: (غراً محجلين) الغرة: الشعر في ناصية الرأس.

وفي الاصطلاح: بياض في جبين الفرس، تجد بعض الخيل تتميز به.

والتحجيل شعر أبيض في موضع الحجل في يدي الفرس.

والغرة والتحجيل من علامات فراهة الخيل وأصالتها، فما كل الخيل تأتي غراً محجلة، وهي أبرز علامة يتميز بها الخيل.

وقوله: (غراً محجلين من أثر الوضوء) الوضوء يكون في الوجه واليدين والقدمين، والحديث ذكر البياض في الوجه والقدمين، فيكون أيضاً في اليدين تبعاً لهما، أو أنه يحوي الأطراف، فإذا كانت الغرة في الطرف الأعلى، والتحجيل في الطرف الأسفل فيكون قد حوى ما بينهما.

والغرة والتحجيل شعر أبيض ينبت في هذين المحلين، لكن الغرة والتحجيل في الإنسان ليس شعراً ينبت، ولكن يكون نوراً، كما قال تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨] ، فهذا النور من أثر الوضوء.

وقوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) قد يقال فيه: بماذا يطيلها؟ والجواب: يطيلها إما في المشبَّه -وهو أعضاء الوضوء- فيزيد على المفروض في الغسل، أو يسبغ الوضوء أكثرَ.

والظاهر أن الطول والقصر في الزيادة ليس في الكمية، وإنما في الكيف.