Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني شهيد القسطنطينية

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ٣٣٨/ ٣

شهيد القسطنطينية

ولذلك يقول الشيخ الكبير أبو أيوب الأنصاري الذي استضاف النبي ﷺ يوم أن نزل إلى المدينة، فكان له شرف مقدمه ﵊؛ يوم أتى إلى أهل المدينة، كما يأتي النسيم العليل إلى صدر المريض، أو كما يأتي الماء البارد إلى كبد الظمآن الشديد الظمأ أو كما تأتي العافية إلى المحموم، دخل ﵊ إلى المدينة.

فاستفاقت على صباح جديد ملء آذانَها أذانُ بلال

فتسابق الصحابة ليأخذوا رحله ﵊، وليكون لهم شرف استضافته ﷺ، ليتشرفوا برؤيته ﵊، ولكن كان ذلك السبق لـ أبي أيوب.

أتى فأخذ بزمام ناقة الرسول ﷺ، والرسول ﷺ يقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ لأنها مسيَّرة في خدمة دعوة لا إله إلا الله، فلما نزل ﷺ، سبق أبو أيوب إلى رحل رسول الله ﷺ، فقال ﷺ للناس وهو يبتسم: ﴿المرء مع رحله﴾ ثم قام باستضافته، وانتهت حياة أبي أيوب، لكن إيمانه لم ينتهِ، وحين كَبُر وشاخ، وأصبح يدبُّ على عصا كان إيمانه وقلبه شابين لم يهرما ولم يشيبا، فكثير من الناس شابٌّ، ولكنه كهل في تفكيره وإيمانه، وكثير من الناس قوي في جسمه، ولكنه هزيل ضعيف في يقينه وإيمانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤].

فقال أبو أيوب للصحابة - وهو في دمشق -: [[خذوني فوالله لأقاتلنَّ معكم الروم - وقد نيف على مائة عام - قالوا: كيف نأخذك وقد عفا الله عنك وعذرك عن الجهاد، قال: لا.

إني سمعت الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] وأنا ثقيل فوالله لأنفرنَّ]] فلما وصل إلى أبواب القسطنطينية، قال: [[اللهم لا ترجعني من هنا وادفني في هذا المكان، حتى تبعثني يوم القيامة، بين قوم كفار، أقول بينهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك]] ولبَّى الله له ما سأل؛ لأنه كان صادقاً، فلما انتهت المعركة، مات ودفن عند أبواب القسطنطينية، وهو مدفون هناك، وأرضه ومنزله في طيبة الطَّيِّبة؛ لكنه دفن في القسطنطينية ليشهد الإنسانية أننا حملة رسالة.