دروس الشيخ عائض القرني
أحاديث أخرى في فضل رحمة الولد
وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿من لا يَرحم لا يُرحم﴾.
وفي حديث عائشة ﵂، جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي ﷺ: ﴿أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة﴾ أما الحديث الأول -حديث أبي هريرة فإن- الأقرع بن حابس وفد على الرسول ﷺ، والظاهر أن ذلك في السنة التاسعة، وهو من وفد بني تميم السابق، وهو سيد من ساداتهم، أعطاه الرسول ﷺ يتألفه مائة ناقة في حنين، مع أناس آخرين من وجوه الناس وصناديد الناس، وترك الأنصار وهم الذين قاتلوا معه في الغزوات ﵃ وأرضاهم.
فلما أعطى هؤلاء الذين دخلوا الإسلام قريباً اجتمع الأنصار، وقالوا: غفر الله لرسول الله ﷺ، يعطي هؤلاء، وسيوفنا تقطر من دمائهم ويتركنا، فذهبت هذه المقالة وشاعت حتى وصلت الرسول ﵊، فدعا سعد بن عبادة، قال: يا سعد ما مقالة بلغتني عنكم؟ قال: ما هي يا رسول الله؟ فأخبره، قال: هو كما سمعت يا رسول الله، قال: كيف أنت من هذه المقالة؟ أتقرها، أو تنكرها؟ لأنه كان سيدهم، قال: هل أنا إلا من قومي يا رسول الله، يقول دريد بن الصمة:
وهل أنا إلى من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
قال: أنا منهم، قال: اجمعهم لي في الحديقة، وهي حديقة كبيرة كالبستان، فاجتمع الأنصار رضوان الله عليهم، قال: ولا يأت غيركم، أي: لا يدخل هذه الحديقة إلا الأنصار، فاجتمعوا، فقام ﵊، فأشرف؛ فسلم عليهم، قال: هل أحدٌ من غيركم معكم؟ قالوا: معنا فلان أمه منا، قال ﵊: ﴿ابن بنت القوم منهم﴾ ثم قام ﵊ فتكلم، قال: ﴿يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ أما أتيتكم فقراءً فأغناكم الله بي؟ أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟﴾ فأخذوا يقولون: لله المنة، لله المنة، لله المنة، وفي بعض الألفاظ، لله المنة ولرسوله، فقال: ﴿يا معشر الأنصار! والله لو شئتم لقلتم، فصدقتم وصدقتم، أتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا شريداً فنصرناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك﴾ ثم رفع صوته ﷺ وقال: ﴿يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، والله لو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، رحم الله الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار﴾ فأخذوا يبكون حتى اخضلَّت لحاهم، ثم قالوا: رضينا بالله وبرسول الله ﷺ قسماً ونصيباً.
فـ الأقرع هذا صاحب المائة ناقة أتى إلى الرسول ﷺ في المدينة فرأى ﷺ يقبل الحسن، فيقول الأقرع: تقبلون الأبناء عندكم؟ وكأنه اكتشف شيئاً جديداً!! أي: عندنا لا نقبل الأبناء، ويبشر الرسول ﷺ، يقول: عندي عشرة من الأبناء ما قبلت واحداً منهم، ظن أن النبي ﷺ يقول: ما أشجعك! أو ما أصبرك! فيقول ﷺ: ﴿أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟! من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ﴾ فالرسول ﵊ يقبل الأطفال، وهو شاهد الحديث من الترجمة للبخاري.
والأقرع بن حابس أعرابي من بني تميم فيه جلافة ﵁ وأرضاه، وأسلم وحسن إسلامه، فالمقصود أن فيه جفاءً، ونحن نقدر كل من أسلم ولو صحب رسول الله ﷺ ساعة واحدة، لكن الجفاء ما زال فيه وفي أمثاله، وقد وصفهم الله بذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] هذا أمر.
فقضايا الحديث تدور على أن من الرحمة ملاطفة الأطفال والأهل ومداعبتهم وممازحتهم، ولا يعارض ذلك التقوى؛ لأن بعض الناس يقول: كيف يكون المتقي متقياً، وهو يمازح في مجلسه الأطفال؟! أتقى الناس، وأخشى الناس، وأعلم الناس، وأخلص الناس مازح ولاعب الأطفال، وهو في التقوى لا يوصل إلى مرتبته ﵊.