Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ٢٦٨/ ٤

مدارسته ﷺ للقرآن في رمضان

ومن المعالم الأخرى في حياته ﷺ والتي تؤخذ من هذا الحديث: مصاحبته ﷺ للقرآن، وعيشه معه وتدارسه لآياته مع جبريل ﵇، فهذا الشهر شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فكان إذا دخل عليه الشهر ﷺ يهيئ نفسه، ويخفف من ارتباطاته ومشاغله، ليعيش تدبر القرآن وقراءته.

والقرآن أخذ الحظ الأوفر والدقائق الغالية، والساعات الثمينة من حياته ﷺ؛ لأنه كتابه الوحيد ومعجزته الكبرى، أرسله الله في الدنيا معجزة لا يضاهيها أي معجزة؛ لأن المعجزات تنصرم وتنتهي إذا مات أنبياؤها، كالعصا في عهد موسى فإنها انتهت بانتهائه ﵇، وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في عهد عيسى فإنها انتهت بانتهائه ﵇، ولكن القرآن أخذ يشق طريقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأخذ يثبت جدارته، ويعلن قوته، ويبدي دعوته في قوة وخلود ويخاطب الأجيال.

فالرسول ﵊ جعل أكبر وقت للقرآن هو وقت رمضان، ولذلك سئلت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم، كيف كان خلقه ﵊؟ فقالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾ فهو يعيش مع القرآن أينما حل وارتحل، وإذا وجد وقت راحة وإقبال قلب، وسفر روح إلى الله شغل هذا الوقت بالقرآن.

في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: قال لي رسول الله ﷺ وهو أحد طلابه وتلامذته: ﴿اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! -ما أحسن هذا الأدب! وما أجل هذا الحياء! - قال: اقرأ علي القرآن فإني أحب أن أسمعه من غيري﴾ أحب أن أتلقاه غضاً طرياً من غيري إذا قرئ علي.

فانطلق ابن مسعود ﵁ وأرضاه يقرأ، والرسول ﵊ يُنصت، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: ﴿حسبك الآن قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه أفضل الصلاة والسلام﴾ تأثر الحبيب بكلام حبيبه، وتذكر صاحبُ هذا الكلام ﷾ الذي أنزله، والذي تكلم به من فوق سبع سماوات، فعندها بكى ﷺ.